يحيل مفهوم الوضع البشري على الوجود البشري بمختلف أبعاده: الفردي، الاجتماعي والتاريخي الزمني، هذه الأبعاد التي تتميز بالتداخل والتركيب والتعقيد، فالإنسان ليس مجرد فرد ضمن مجموعة متشابهة، بل أكثر من ذلك، فهو شخص يتجاوز المعطى البيولوجي، الذي يشترك فيه مع باقي الكائنات الأخرى، إلى اعتباره ذاتا مفكرة واعية تتمتع بنوع من الاستقلالية وحرية الإرادة، إلا أن هذه الحرية ليست حرية مطلقة بل حرية تتفاعل مع الشروط البيولوجية، النفسية والاجتماعية التي تحيط بالشخص، هذا من جهة،ومن جهة أخرى، فالشخص ليس كائنا منعزلا ومنغلقا على ذاته، ذلك أن الإنسان اجتماعي بطبعه، كما أن وجوده في هذا العالم هو بالضرورة وجود بمعية الآخرين، أعداء كانوا أو أصدقاء، ويضاف إلى كل ذلك نتائج تترتب عن تمتع الإنسان بالوعي، وهي كونه كائنا تاريخيا يخلف وراءه مجموعة من الأحداث والوقائع، التي يمثل تأويلها ودراستها مدخلين أساسيين لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.هكذا فالتأمل في الوضع البشري هو بمثابة دعوة لاستحضار مجموعة من المفاهيم المترابطة والمركبة: الشخص الغير والتاريخ.فما الشخص؟ ما أساس هويته؟ اين تكمن قيمته؟ وهل هو ذات حرة أم أنه مجرد نتاج لمجموعة من الإشراطات والحتميات؟ماالغير؟ كيف تتحدد علاقته الوجودية مع الأنا؟ هل يمكن معرفته؟ وما طبيعة العلاقة الأخلاقية والوجدانية التي تؤطر التعامل معه؟ما التاريخ؟ بأي معنى تكون المعرفة التاريخية معرفة ممكنة؟ وهل مسار التاريخ محكوم بحتمية التقدم أم أته يبقى عرضة للصدفة والمفاجأة؟ ما دور الإنسان في التاريخ؟ هل هو صانع لتاريخه؟ أم أنه مجرد كائن خاضع للحتمية التاريخية؟
الشخص
يحيل مفهوم الشخص في اللسان العربي على معان ودلالات متعددة منها البروز،الظهوروالعظمة، أما في اللسان الفرنسي فكلمة "Personne مشتقة من الأصل اللاتيني Persona التي تعني القناع الذي يضعه الممثل على وجهه حتى يتقمص الدور المسند إليه، هكذا إذن فالدلالة اللغوية للفظ الشخص ترتبط بالمظهر الخارجي القابل للتغير والتجدد في مقابل ما هو باطني وجوهري.أما في الاصطلاح الفلسفي فمفهوم الشخص يحيل على الذات الإنسانية المفكرة والواعية بذاتها وبوجودها، والمسؤولة أخلاقيا، قانونيا واجتماعيا عن كل ما يصدر عنها من أقوال أو أفعال.هكذا أذن فمفهوم الشخص، يحتمل دلالات متعددة تجمع بين الخارج والباطن، الجوهر والعرض، والثابت والمتغير الشيء الذي جعله يطرح عدة تساؤلات وإشكالات فلسفية سواء بخصوص هويته، قيمته أو حريته.-فما أساس هوية الشخص؟ هل الوحدة والتطابق أم التعدد والتغير؟-أين تكمن قيمته هل في اعتباره غاية في ذاته أم في اتخاذه كوسيلة؟-ما حقيقة الحرية الإنسانية؟ وهل الشخص كائن حر أم أنه مجرد نتاج لمجموعة من الإشراطات والحتميات؟المحور الأول: الشخص والهويةيحيل مفهوم الهوية على مجموع الصفات التي تجعل الشخص في تطابق مع ذاته، وتميزه عن غيره، ذلك أن كل شخص يتعرف على ذاته بوصفها "أنا" تميزه عن غيره وتكسبه ماهيته رغم كل ما يطرأ عليه من تغيرات في الزمان والمكان، سواء على مستوى الجسد أو على مستوى الأفكار و الأحاسيس. فما أساس هذه الهوية هل الوحدة والتطابق أم التعدد والتغير؟في سياق مقاربة هذا الإشكال، يعتبر الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت أن الفكر هو أساس الهوية, وذلك باعتباره الصفة المميزة للذات الإنسانية ، فعلى الرغم من تعدد الأفعال التي يمكن أن تصدر عن الإنسان من تصور ،تخيل، فهم تحليل أو شك... فهي كلها ترجع إلى جوهر مفكر يتمتع بالوحدة والثبات، وهو الأنا أفكر، ولعل ذلك ما يعبر عنه الكوجيطو الديكارتي: "أنا أفكر إذن أنا موجود" بمعنى أن التفكير هو أساس إدراك الذات لذاتها ولوجودها.هكذا إذا فديكارت يبني تصوره للهوية على وجود عنصر أصيل يكتسي طابع الوحدة والاستمرارية والتطابق مع ذاته وهو الفكر، إلا أن هذا التصور الماهوي يصطدم بالواقع خصوصا عندما يتعلق الأمر بحالة النوم حيث غياب الوعي، أو حالة انفصام الشخصية، الشيء الذي جعل جول لاشوليي يعتبر أن هوية الشخص هي ما يجعله مطابقا لذاته ومتميزا عن غيره، إلا أن هذه الهوية ليست نتاجا لوجود عنصر أصيل، بل إن مصدرها هو تلك الوحدة النفسية الناتجة عن ترابط الذكريات ووحدة الطبع، ذلك أن قدرة الشخص على التذكر هي الآلية الضرورية لربط حاضر الشخص بماضيه القريب أو البعيد، وبالتالي تقوية شعوره الداخلي بالوحدة مع ذاته، أما وحدة الطبع فتتمثل في السمة العامة للشخصية في مواقفها وردود أفعالها الأخلاقية تجاه الآخرين. هكذا إذن فجول لاشوليي يؤكد على أهمية الذاكرة ووحدة الطبع في تحديد الهوية الشخصية ودعم شعور الفرد بالوحدة والتطابق مع ذاته.على الرغم من الاختلاف الواضح بين تصور كل من ديكارت وجول لاشوليي فإنهما يِؤسسان الهوية الشخصية على الوحدة والتطابق، لكن إلى أي حد يمكن التصديق على هذا الموقف خصوصا أن الشخص كائن بيولوجي واع ويتأثر بالثقافة؟ في هذا السياق يتجاوز سيجموند فرويد مفهومي الوحدة والتطابق كأساس للهوية الشخصية مؤسسا لها على التفاعل الدينامي بين ثلاثة عناصر تشكل البنية الأساس للجهاز النفسي: الهو، العالم الخارجي والأنا الأعلى، ذلك أن الأنا ما هو سوى حصيلة الصراع القائم بين متطلبات الهو ذات الطابع الغريزي والبيولوجي والتي تتطلب إشباعا مباشرا، ومطلب الأنا الأعلى وما يجسده مت سلطة القيم والمثل العليا الصادرة عن التربية، بالإضافة إلى الواقع الاجتماعي. هكذا فالأنا ، وبما نتاج للتفاعل بين هذه العناصر، فهو يسعى باستمرار إلى خلق نوع من التوازن والتوافق بيت متطلباتها، وذلك عن طريق اللجوء إلى مجموعة من الميكانزمات النفسية، كالإعلاء ، الكبت الإسقاط...هكذا إذن فسيجموند فرويد يؤسس الهوية الشخصية على التعدد والتغير، بحيث لا يشكل الأنا إلا عنصرا إلى جانب العناصر الأخرى المكونة للهوية والمتسمة بالدينامية والتغير.مهما اختلفت المواقف الفلسفية بخصوص أساس الهوية الشخصية، فإن ما يمكن التأكيد عليه هو أن الهوية الشخصية يصعب اختزالها في جانب واحد من جوانب الشخصية وذلك لكون الشخص كائنا يجمع في ذاته بين الجوانب المتغيرة والجوانب الثابتة المتفاعلة، الشيء يجعل هوية نتاجا للتفاعل بين ما هو ثابت وما هو متغير. وإذا كان الأمر كذلك فأين تكمن قيمة الشخص إذن؟المحور الثاني: الشخص بوصفه قيمةإن كون الإنسان كائنا واعيا، بل ويعي أنه يعي يجعله مالكا لقيمة تميزه عن باقي موجودات العالم. فما أساس هذه القيمة؟ وهل تكمن قيمة الإنسان في اتخاذه كوسيلة، أم في اعتباره غاية في ذاته؟ايمانويل مونيييعتبر الفيلسوف الشخصاني إيمانويل مونيي أن قيمة الشخص تكمن في كونه ذاتا تتميز بالوعي الإرادة والحرية والقدرة على التجاوز، وليس موضوعا، حيث أن الموضوع هو ما يمكن النظر إليه من الخارج فقط، لكن هذا الخارج بالنسبة للشخص، وإن كان يساعد على معرفته مثلما هو الحال مع كل مواضيع العالم الأخرى، فإنه لا يمثل حقيقته، ذلك أن حقيقة الشخص هي ما يوجد بداخله، فجوهر الشخص يكمن في كونه ذاتا واعية مبدعة، تتفاعل مع محيطها ومع الآخرين وتراكم بذلك مجموعة من السمات الشخصية، التي تطبع الشخص بطابع التفرد، وذلك عبر عملية التشخصن.ايمانويل كانطإذا كان التصور الشخصاني قد اعتبر أن قيمة الشخص تكمن في كونه ذاتا وليس موضوعا قابل للدراسة الخارجية كباقي الأشياء، فإن إيمانويل كانط يبني تصوره لقيمة الشخص من وجهة أخلاقية، حيث يعتبر أن قيمة الشخص لا ترتبط فقط بامتلاكه للوعي المعرفي، كما هو الشأن في التصور الديكارتي، بل ترتبط بالوعي الأخلاقي، ذلك أن الشخص ذات لعقل أخلاقي عملي قادر على تشريع الواجب الأخلاقي الذي يتأسس على ضرورة معاملة الآخرين كغاية لا كوسيلة تستغلها هذه الإرادة أو تلك لتحقيق مصالحها الخاصة. وبالتالي فقيمة الشخص هي قيمة داخلية مطلقة تتجلى في كرامته التي تستوجب معاملته بتقدير واحترام، سواء في علاقته بذاته أو في علاقته بالآخرين.وعلى الرغم من أهمية هذا التصور الأخلاقي وارتكازه على مفهوم الكرامة كخاصية مميزة للشخص، فإنه يبقى تصورا مثاليا خصوصا أمام ما تشهده المجتمعات البشرية من حروب واستغلال، لذلك نجد غوسدورف يقدم تصورا أكثر واقعية في تحديده لقيمة الشخص، حيث يقارن بين الفرد كذات بيولوجية منغلقة على ذاتها، وبين الشخص ككائن لا يتحقق إلا عبر المشاركة القائمة على الأخذ والعطاء ، التأثير والتأثر.على الرغم من الاختلاف الحاصل في تصور الفلاسفة لأساس القيمة التي يحضا بها الإنسان في مقابل باقي الموجودات الأخرى، فإنهم يجمعون على كونه ذو قيمة تجعل منه كائنا مميزا في هذا العالم.الشخص بين الضرورة والحريةإذا نظرنا إلى الشخص من حيث كونه كائنا يعيش في ظل مجموعة من الشروط النفسية، البيولوجية، الاجتماعية والاقتصادية ، فإن ذلك يوحي بكونه كائنا خاضعا في أفعاله واختياراته لمجموعة من الحتميات التي تجعله مجرد كائن منفعل لا فاعل، إلا أنه مع ذلك يدعي انه الكائن الحر، فما حقيقة الحرية الإنسانية ؟ وهل الإنسان كائن حر فعلا أم أنه مجرد نتاج للاشراطات والحتميات التي تحيط به؟موقف باروخ سبينوزايعتبر باروخ سبينوزا أن الحرية التي يتبجح بها الشخص ما هي سوى وهم ناتج وعي الناس بأفعالهم وجهلهم بالأسباب والعلل الكامنة وراءها، ومعنى ذلك أنه لا وجود لحرية إنسانية تعلو على قانون الطبيعة، ذلك أن الإنسان، وباعتباره مجرد جزء من الطبيعة فهو بذلك خاضع و بشكل لا فكاك منه، لنفس الضرورة الخارجية كما هو الشأن لباقي الموجودات، وبناء على ذلك فما الحرية الإنسانية سوى وهم ملازم للإنسان لكونه كائنا واعيا. هكذا إذن فما حرية سوى وعيه بالضرورة التي تؤطر كل أفعاله و اختياراته.إن أطروحة سبينوزا تجد سندها في العلوم الإنسانية، التي اعتبرت الإنسان مجرد نتاج لمجموعة من البنيات النفسية، الاجتماعية الاقتصادية..إلخ، هذه البنيات التي تحدد بشكل قبلي ماهية الشخص أفعاله، واختياراته.فعلى المستوى النفسي يؤكد سيغموند فرويد على أن شخصية الإنسان ما هي سوى انعكاس لأوامر اللاشعور الذي يشكل القسم الأكبر من بنيته النفسية، و على المستوى الاجتماعي يعتبر أميل دوركهايم أن الفرد ليس سوى نسخة مصغرة عن المجتمع الذي تشأ فيه، ذلك أن كل ما يقبل عليه اختيارات وما يتخذه من مواقف ، ما هي سوى نتاج لعملية التنشئة الاجتماعية التي تكرس في الفرد أفكار و ثقافة المجتمع وتحدد دوره الاجتماعي. أما على المستوى الاقتصادي فيؤكد ماركس أن وعي الفرد مشروط بموقعه من وسائل الإنتاج. هكذا إذن فالعلوم الإنسانية تؤكد على أن البنيات هي الفاعل الأساسي في صناعة شخصية الفرد معلنة بذلك موت الإنسان كذات فاعلة. فإلى أي حد يمكن التصديق على هذا الموقف؟جان بول سارترإذا كانت المواقف السابقة تؤكد على كون الأدوار التي يقوم بها الشخص تتحدد بشكل قبلي تبعا للشروط البيولوجية، النفسية والاجتماعية، فهي بذلك تجعل من الشخص مجرد شيء، ذلك أن اقتناع الشخص بما تمليه الشروط البنيوية المحيطة به، معناه التنازل عن إمكانية تحرره في المجتمع، وإمكانية انفتاحه على الآخرين، وتنازل الشخص عن وجوده هو قبوله أن يكون ماهية. لذلك ينطلق جون بول سارتر من كون الوجود أسبق من الماهية لأن الإنسان مشروع، وفكرة المشروع عند سارتر ترتبط ارتباطا وثيقا بمبدأ الحرية، ومنه فماهية الإنسان هي الحرية المتمثلة في حرية الاختيار اللامشروط لذاته، إنه الكائن الوحيد الذي يصنع نفسه بنفسه، وإذا كان الأمر كذلك فالحرية بهذا المعنى تترتب عتها المسؤولية سواء اتجاه الذات أو تجاه الإنسانية جمعاء.إن الخوض في مسألة الحرية الإنسانية ينتج عنه الإقرار بكون الإنسان ليس مجرد وليد للحتميات التي تحيله إلى شيء، كما أنه من جهة أخرى ليس كائنا حرا حرية مطلقة ولا نهائية، بل الحرية الإنسانية هي عبارة عن تحرر يتجسد في سعي الإنسان للتغلب على الحتميات التي تواجهه سعيا منه إلى توسيع نطاق هذه الحرية.تركيب عامتكشف المناولة الفلسفية لمفهوم الشخص أن هذا الأخير مفهوم معقد يتداخل فيه ما هو متغير بما هو ثابت، وما هو حتمي بما هو اختياري حر،إلا أن الشخص يبقى مع ذلك الكائن الذي يحضا بقيمة خاصة تجعله غاية وليس مجرد أداة. هذه القيمة التي تتجسد في أخد أبعادها في كون الشخص لا يحقق وجوده الأخلاقي إلا في ظل تفاعله مع الغير. فما الغير؟الغير
يجرنا الحديث عن الأنا إلى الحديث عن الغير ذلك أن الإنسان اجتماعي بطبعه، وبالتالي فكل حديث عن لا يمكن أن يستقيم إلا باستحضار الغير كقطب مكمل للأنا، فما الغير؟على المستوى اللغوي يحيل هذا المفهوم في اللغة العربية على المختلف المتميز والمغاير سواء من الأشياء أو من الناس، أما في اللسان الفرنسي فيمكن التمييز بين لفظ الغير Autrui ، ولفظ الآخر Autre ، حيث يشير الأول إلى معنى الآخر من الناس فقط، في حين يحيل الثاني على المختلف بشكل عام سواء من الناس أو من الأشياء، هكذا فمفهوم الغير بهذا المعنى هو لفظ مشتق من لفظ الآخر والذي يعني المختلف والمتميز.أما على المستوى الفلسفي فيعرفه جون بول سارتر بقوله "الآخر، الأنا الذي ليس أياي" فالغير بهذا المعنى هو الآخر منظورا إليه كذات لا كموضوع، ومن يتبين أن الغير أنا آخر منفصل عن الأنا وشبيه له، من حيث الصفات العامة: النفسية الفيزيولوجية، والسلوكية ...إلا أن هذا التشابه يخفي وراءه اختلافا من حيث المؤهلات الاختيارات، الرغبات والمشاريع.إن تنوع دلالات الغير واختلافها، يضفي على مفهوم الغير طابعا إشكاليا ، تتولد عنه مجموعة من التساؤلات، ساء على المستوى الوجودي، المعرفي أو الوجداني الأخلاقي.فما طبيعة العلاقة الوجودية مع الغير؟ هل وجود الغير ضروري لتحقيق الوعي بالذات أم أنه وجود احتمالي وافتراضي فقط؟إذا كانت معرفة الأنا لذاته تمر عبر الغير فهل يمكن معرفة الغير؟ وهل نعرفه كذات أم كموضوع؟ما طبيعة العلاقة الوجدانية و الأخلاقية مع الغير؟ هل هي علاقة مبنية على الصداقة،، الحب، الاحترام ،التعاون والتكامل أم أنها علاقة عداوة، تنافس حرب وصراع؟المحور الأول: وجود الغيرقبل الخوض في إشكالية وجود الغير، لابد من الإشارة إلى كون الفلسفة اليونانية لو تطرح مفهوم الأنا في مقابل مفهوم الغير بشكل منظم وباعتباره ذاتا فردية في مقابل ذات أخرى ، وذلك لأنها كانت تقصي الشعوب الأخرى وتنظر إليها كشعوب متوحشة ينبغي محاربتها والقضاء عليها. وبناء عليه فمشكلة الغير كذات لم تتبلور إلا مع فلسفة هيجل كرد على فلسفة الذات الديكارتية. فكيف يتحدد وجود الغير إذا هل باعتباره وجودا ضروريا أم افتراضيا فقط؟موقف روني ديكارتمن خلال عملية الشك التي مارسها ديكارت على كل الأشياء، خلص هذا الفيلسوف إلى حقيقة واحدة تتميز ببداهتها ووضوحها ويقينيتها، وهي الكوجيتو " أنا أفكر إذن أنا موجود" ومعنى ذلك أن ماهية الإنسان تتحدد في كونه ذات مفكرة، فالتفكير دليل على الوجود، والوعي هنا يتأمل ذاته، أي يفكر في ذاته، وهذا التفكير في الذات يمكن الإنسان من الوعي بوجوده بمعزل عن العالم الخارجي، بما في ذلك الله الطبيعة والغير. بناء على ذلك فديكارت يعتبر أن وجود الغير ليس ضروريا لتحقيق الوعي بالذات، إلا ذلك لا يعني إنكارا لوجوده، بل إن وجوده لا يرقى إلى مستوى يقينية وجود الأنا، ذلك أن وجود الغير لا يتم إلا عبر القياس بالمماثلة الذي يؤدي إلى نتائج احتمالية وافتراضية، فالوعي حسب ديكارت لا يمكنه إثبات وجود وعي آخر. لينتهي إلى القول بالأنا وحدية التي لا تدرك يقينا إلا وجودها الخاص.موقف فريدريك هيجلإذا كان ديكارت قد أسس فلسفته على مفهوم الذات كمفهوم مركزي، فإن مفهوم الغير يعتبر المفهوم المحوري ضمن فلسفة هيجل، حيث يرفض هذا ألأخير مفهوم الذات المتمركزة على ذاتها، ويميز بين الإحساس بالذات -الذي يتحقق من خلال علاقة الإنسان بالأشيلء كموضوع لرغبته- والوعي للذات الذي لا يتحقق إلا من خلال الاعتراف به من قبل وعي آخر، حيث يدخل الطرفان في صراع لا ينتهي بالموت بقدر ما ينتهي باستسلام أحد الطرفين لتنشأ عن ذلك علاقة غير متكافئة بين السيد (المنتصر) والعبد (المستسلم). حيث أن العبد ضروري لتحقيق سيادة السيد، كما أن وجود السيد ضروري لتحقيق عبودية العبد. هكذا إذن فوجود الغير يعتبر وجودا ضروريا لتحقيق الوعي بالذات عبر عملية الصراع من أجل نيل الاعتراف كشرط لتحقيق الوعي لذاته.جون بول سارتريؤكد سارتر موقف هيجل الذي يعتبر وجود الغير وجودا ضروريا لتحقيق الوعي بالذات، حيث يؤكد أن معرفة الأنا لذاته لا تتحقق إلا عبر المرور بالغير، وإذا الأمر كذلك فإن وجود الغير لا يتحقق إلا باعتباره ذاتا شبيهة بالأنا ومستقلة عنه الشيء الذي يجعل العلاقة الوجودية بين الأنا والغير علاقة انفصال، عدم وهوة، إنها مجرد علاقة تشييئية، ذلك أن نظرة الغير تحيل الأنا إلى موضوع، مثلما تحيل نظرة الأنا الغير إلى موضوع. إذن فوجود الغير ينطوي على بعدين: بعد إيجابي وآخر سلبي.تتعدد المواقف الفلسفية بخصوص وجود الغير، إلا أنه مع ذلك يبقى وجودا لا محيد عنه ذلك أن إنسانية الإنسان لا تكتمل إلا عبر الدخول في علاقة مع الغير، وإذا كان الأمر كذلك فهل يمكن معرفة الغير؟المحور الثاني: معرفـــة الغــيريقتضي فعل المعرفة وجود ذات عارفة واعية حرة وقادر على إصدار الأحكام في مقابل موضوع قابل للملاحظة والدراسة، إلا أن الحديث عن معرفة الغير يضعنا أمام معرفة ذات لذات أخرى، وعي لوعي آخر. فإلى أي حد تكون هذه المعرفة ممكنة؟ ألا تعتبر كل معرفة عن الغير معرفة سطحية خارجية تخيله إلى موضوع؟ لكن من جهة أخرى ألا يمكن التواصل مع الغير من النفاذ على أعماقه وبالتالي معرفته كذات؟موقف مالبرانشيعتبر مالبرانش من الفلاسفة المتأثرين بفلسفة الذات الديكارتية القائمة على الكوجيطو، ومن هذا المنطلق يعتبر هذا الفيلسوف أن المعرفة اليقينية الوحيدة هي معرفة الأنا لذاته في مقابل كون معرفة الغير معرفة قائمة على التخمين والافتراض ، ذلك أن كل معرفة من هذا القبيل لا تتأسس سوى على القياس بالمماثلة، القائم على افتراض أن الآخرين يشبهون الذات، والواقع أن هذا التشابه لا يبلغ حد المطابقة خصوصا فيما يتعلق بالأحاسيس، المشاعر والعواطف، ومنه فكل معرفة تنطلق من الذات وتتجه صوب الآخرين تكون كثيرة التعرض للخطأ إذا نحن اقتصرنا في أحكامنا على عواطفنا فقط.موقف موريس ميرلوبونتيينتقد ميرلوبونتي التصور الديكارتي القائم على الذات المنعزلة على ذاتها عزلة أنطولوجية ، حيث يقر أن الوجود في العالم هو بالضرورة وجود مع الآخرين، كما ينتقد تصور جان بول سارتر الذي يختزل النظرة في النظرة التشييئية القائمة على المراقبة والموضعة، ليعتبر أن هذه النظرة لا تعبر سوى عن توقف للتواصل كما يحدث حالة الالتقاء بشخص مجهول حيث يقبع الأنا الغير في طبيعتهما المفكرة، إلا الشيء الطبيعي هو التواصل والتعاطف بين الأنا والغير الذي يمكن كلا من الأنا والغير ، من معرفة بعضيهما كذوات مع احتفاظ كلا منهما بخصوصيته. ووسيلة هذا التواصل هي اللغة.يتبين من خلال ما سبق أن معرفة الغير تطرح صعوبات جمة خصوصا عندما يتم تجزيئه إلى ظاهر وباطن، لذلك يعتبر ماكس شيلر أن معرفة الغير لا تتم إلا بالنظر إليه ككلية، كوحدة لا تقبل التجزئة والانشطار، ذلك أن الظاهر يحيل على الباطن والعكس.اامحور الثالث: العلاقة مع الغيرإن العلاقة مع الغير لا يمكن اختزالها في بعديها الوجودي والمعرفي فقط، بل تتعدى ذلك إلى مستوى العلاقة الوجدانية والأخلاقية، حيث تتخذ هذه العلاقة مظاهر مختلفة؟ فما أبعاد هذه العلاقة وهل هي علاقة صداقة، محبة وتكامل أم علاقة صراع تنافس وتهديد؟موقف أفلاطونتتحد العلاقة مع الغير حسب أفلاطون في كونها علاقة صداقة، على اعتبار أن هذه الأخيرة هي علاقة محبة متبادلة بين طرفين، وهكذا فالصداقة هي علاقة وجود وسطى بين الكمال المطلق والنقص المطلق، بين الخير الأقصى والشر الأقصى، لأن من يتصف بالكمال والخير المطلقين ليس في حاجة إلى الغير، كما أن من يتصف بالنقص المطلق والشر المطلقين، تنتفي عنده الرغبة في طلب الكمال. وبناء عليه فالصداقة مع الغير هي تعبير عن الرغبة في الكمال ووسيلة لتحقيقه.وإذا كان أفلاطون قد أكد على أهمية الصداقة لتحقيق الكمال الذاتي فإن أرسطو أعطى للصداقة بعدا أكثر واقعية حيث قسم الصداقة إلى ثلاثة أنواع صداقة المنفعة وصداقة المتعة والغاية منهما ليس الصديق في حد ذاته بل ما تجلبانه من منفعة أو لذة، لذلك فهما صداقتان مؤقتتان وزائلتان، ولا تستحقان لفظ الصداقة إلا مجازا، وفي مقابل ذلك يفضل أرسطو صداقة الفضيلة لأنها أكثر إخلاصا واستمرارا ، فهي صداقة مبنية على حب الخير لذاته وحبه للآخرين، إذ متى سادت هذه الصداقة فلن نكون في حاجة إلى العدل. لأن العدل الحقيقي هو العدل المبني على المحبة.موقف ألكسندر كوجيفإن العلاقة الأخلاقية لا يمكن اختزالها في بعدها الإيجابي فقط المتمثل في الصداقة، لذلك يعتبر كوجيف أن العلاقة مع الغير علاقة صراع، حيث أن تحقيق الوعي لذاته لا يتم إلا خلال الصراع مع وعي آخر بحثا عن الاعتراف ينتج عنه وجود مفاضل وينتهي بجدلية العبد والسيد، كما أن الصراع بين الطبقة المستغلة والطبقة المستغلة هو أساس وجود المجتمعات البشرية، بل أكثر من فالصراع هو المحرك الأساسي للتاريخ البشري، حيث نعيش تارة أسيادا و أخرى عبيدا في التاريخ.هكذا فالعلاقة مع الغير تتراوح بين المحبة والصراع، العداوة والصداقة، التواصل والانغلاق، إلا أن الغير يبقى قطبا أساسيا لا يمكن الاستغناء عنه، سواء كان بعيدا أو قريبا، لذلك فالتواصل، المحبة، الصداقة وقبول الاختلاف تبقى السبل الأمثل من أجل عالم تتعايش فيه كل الأديان والثقافات، الأجناس والعرقيات ويحترم فيه الإنسان لأنه إنسان.
التاريخ
يتميز الإنسان بكونه كائنا واعيا، وبالتالي كائنا تاريخيا في جوهره، ذلك أنه كائن يعيش في الزمان و يتحدد بأحوال وظروف معينة، كما أن وجوده عملية زمنية تتحدد بالميلاد والموت، وتتألف من سلسلة من متصلة الحلقات تربط الماضي بالحاضر والمستقبل، هذه العملية التي تجري في إطار علاقاته مع الآخرين، وعلاقته مع الطبيعة، ولما كان الأمر كذلك فإن العلاقات بين الأشخاص هي علاقات تاريخية ، وحياة الإنسان حياة تاريخية، وبالتالي فعالم الإنسان هو عالم التاريخ. فما التاريخ؟ وما دلالات هذا المفهوم؟يعني مفهوم التاريخ لغويا الوقت فنقول: تاريخ الشيء أي غايته ووقته أو زمنه، كما أ ن التاريخ، التأريخ والتوريخ تعني الإعلام بالوقت.أما في الاصطلاح فيمكن التمييز بين دلالتين: اعتبار التاريخ مجموع الأحداث والوقائع التي خلفها الإنسان في الماضي سواء في علاقته بالطبيعة أو في علاقته بالآخرين، كما يحيل هذا المفهوم على المجهود المبذول لمعرفة هذا الماضي وكتابته.هكذا إذن فمفهوم التاريخ مفهوم متعدد الدلالات، وإن كان التاريخ في مجمله لا يكتسب معناه إلا باعتباره تاريخ الإنسان، وبناء عليه فالتأمل في التاريخ يكشف النقاب على مجموعة من التساؤلات المتعلقة به، سواء بالنظر كعلم مت بين العلوم الإنسانية، أو باعتباره مجالا للدرس الفلسفي.فهل التاريخ علم يرقى في موضوعيته إلى مستوى الموضوعية في العلوم الحقة؟ أم أنه مجرد فن من الفنون؟هل التاريخ محكوم بفكرة التقدم باتجاه غاية محددة؟ أم أنه عرضة للصدفة والعرضية؟إذا كان التاريخ هو تاريخ الإنسان فما خدود صناعة الإنسان للتاريخ؟المحور الأول:المعرفة التاريخيةيقتضي فعل المعرفة وجود ذات عارفة واعية، وموضوع للمعرفة، قابل للملاحظة والتجريب وبالتالي الوصول قوانين حتمية وعامة تمكن من فهم وتفسير الظاهرة، التنبؤ بوقوعها، إلا ان الحديث عن المعرفة التاريخية يقابله حديث الماضي الإنساني الذي لم يعد حاضرا أمام الذات العارفة إلا من خلال آثاره، الشيء مما يطرح مجموعة من التساؤلات بخصوص طبيعة المعرفة التاريخية. فهل التاريخ علم؟ أم انه مجرد فن من الفنون؟ هل المعرفة التاريخية معرفة موضوعية؟ أم أنها مجرد معرفة تتأسس على السرد والحكي والإخبار؟موقف ابن خلدونينتقد ابن خلدون التصور الذي يعتبر التاريخ مجرد سرد للأحداث الجليلة التي تستحق الذكر أو التدوين سواء أكانت تلك الأحداث من صنع العظماء أو الآلهة أو الطبيعة، وبالتالي اعتبار التاريخ مجرد فن من الفنون غايته التسلية الطرف وتقديم الموعظة، معتبرا أن هذا التصور يختزل التاريخ في بعده الظاهري المرتبط بنقل وسرد الأحداث وفقا لتسلسلها الزمني فقط، وفي مقابل ذلك يعتبر ابن خلدون أن هذا الظاهر لا يكتمل ألا بالمعنى الباطن للتاريخ كنظر وتحقيق، وتعليل ... وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها، وبالتالي فالتاريخ حسب ابن خلدون ليس مجرد نقل وسرد للأخبار، بل هو علم يقوم بالدراسة النقدية والموضوعية للأحداث التي يتم نقلها وذلك بغية اجتناب الوقوع في الوهم والخطأ والغلط، كما أن الغرض من التاريخ ليس مجرد التسلية والطرفة بل الوصول إلى حقيقة القوانين التي تحكم تطور العمران البشري وذلك للاستفادة منها في فهم الحاضر والتنبؤ بالمستقبل.هنري ماروإذا كان ابن خلدون قد أكد على أهمية المنهج النقدي في تحقيق الموضوعية في المعرفة التاريخية فإن المؤرخ الفرنسي هنري مارو يؤكد على أن التاريخ هو معرفة بالماضي الإنساني، تنتهي بأثر مكتوب، وذلك تمييزا له عن حكي أو سرد الأحداث، كما يعتبر أن المعرفة التاريخية أيضا متميزة عن الدراسة والبحث التاريخيين، ومعنى ذلك أن المعرفة التاريخية يتم بناؤها من قبل المؤرخ انطلاقا من الآثار المتبقية من الماضي، وذلك بتتبع منهج نسقي دقيق يرقى بها من مستوى المعرفة العامية من جهة، لكنه لا يضعها في مصاف المعرفة الموضوعية المعروفة في العلوم الحقة من جهة ثانية. هكذا أذن يزاوج هنري مارو بين النقد الذي يهدف إلى التأكد من صحة الوثيقة من جهة، إعادة بناء الحقيقة التاريخية وما يتطلبه من تدخل الخيال من جهة أخرى. الشيء الذي يجعل الموضوعية في المعرفة التاريخية نسبية وليست مطلقة.على الرغم من التأكيد على كون التاريخ علم بالماضي الإنساني، فهو لا يعدو كونه علما من بين العلوم الإنسانية، التي لا ترقى في موضوعيتها إلى مصاف العلوم الحقة، ذلك أن كون المؤرخ، أولا وقبل كل شيء، إنسانا فهو يقيم بينه وبين الأحداث علاقة تبادل وتداخل وحوار، فالحدث التاريخي هو في واقع الأمر من صنع المؤرخ ويتحول إلى مادة تاريخية، عندما يضعه المؤرخ في تسلسل زمني معين بعد بحث ونظر وتحقيق.المحور الثاني: التاريخ وفكرة التقدمعلى الرغم من أهمية التاريخ كعلم في فهم الأحداث التاريخية في جزئياتها وتفاصيلها، فإن تناول هذا المفهوم كموضوع للتأمل الفلسفي يحيلنا عل فلسفة التاريخ، حيث تسعى الفلسفة إلى تكوين نظرة شمولية عن معنى التاريخ الإنساني وغايته، ذلك أن اعتبار التاريخ سلسلة من الأحداث المترابطة والمتسلسلة يجعلنا نتساءل عن مسار التاريخ. فما حقيقة التقدم في التاريخ؟ وهل لمسار التاريخ من غاية أو قوانين تحكمه؟ أم أنه محكوم فقط بالصدفة والعرضية؟إدوارد هاليت كاريتجاوز ادوارد هاليت كار الخلط والالتباس الحاصل بين مفهومي التقدم والتطور خصوصا عند مفكري الأنوار، حيث يعتبر أن التطور خاصية للطبيعة وهو محكوم بالوراثة البيولوجية، أما التقدم فهو خاصية للتاريخ البشري، ترتبط بالاكتساب الاجتماعي، وإذا كان الأمر كذلك فالتقدم في التاريخ يتميز بكونه لا بداية له ولا نهاية، كما أنه لا يسير في خط مستقيم ومتصل الحلقات،بل إن مسار التاريخ مسار تتخلله مجموعة من التقطعات والتوقفات في الزمان والمكان.فريدريك هيجلإذا كان ادوارد هاليت كار يقر بكون التاريخ محكوم بفكرة التقدم، فإن هيجل بدوره يؤكد على التاريخ تقدمي، فالتاريخ حسب هذا الفيلسوف هو تاريخ الروح أو العقل، إنه المسار الذي تكافح فيه الروح لكي تصل إلى تحقيق الوعي بذاتها، أي لكي تكون حرة، وهكذا فما التاريخ سوى تقدم الوعي بالحرية وفقا للجدل الدياليكتيكي المتمثل في الانتقال من الفكرة إلى نقيضها ثم إلى التركيب ، حيث تمثل كل مرحلة درجة معينة من درجات الحرية. وقد حدد هيجل هذه المراحل في ثلاث: مرحلة الحضارات الشرقية التي كان فيها كل المواطنين عبيدا للحاكم وهذا الأخير عبدا لنزواته ورغباته.مرحلة الحضارات اليونانية والرومانية حيث كان نطاق الحرية أوسع وأصيح البعض من المواطنين أحرارا وبقية السكان من المم الأخرى عبيدا وبرابرة. ثم المرحلة الأخيرة وتتمثل في الدولة الجرمانية والتي وصل فيها الوعي إلى اعتبار الإنسان بما هو إنسان حرا، وأن الحرية تؤلف ماهية الروح. وبالتالي فالتاريخ بهذا المعنى محكوم بحتمية وضرورة التقدم وفق مسار تصاعدي لتحقيق الحرية ووعي الروح بذاته.كارل ماركسإذا كان هيجل قد أعطى لفكرة التقدم في التاريخ بعدا عقلانيا مثاليا، فإن ما يذكر عن ماركس هو كونه أمسك بديالكتيك هيجل ثم قلبه رأسا على عقب، على اعتبار أن الديالكتيك الهيجلي يبدأ بالفكر ويتدرج إلى الطبيعة، في حين أن ماركس اعتبر الطبيعة المنبع الذي تشتق منه بيئة التاريخ، وبناء على ما سبق يعتبر ماركس أن الصراع الطبقي الناتج عن التناقض بين قوى الإنتاج من جهة وعلاقات الإنتاج من جهة أخرى هو المحرك الأساسي للتقدم في التاريخ، والذي يتجلى في توالي مجموعة من أنماط الإنتاج يتولد كل منها عن نفي سابقه، حيث توجت هذه المراحل بظهور نمط الإنتاج الرأسمالي، هذا الأخير الذي يعرف صراعا بين الطبقة البورجوازية المالكة لوسائل الإنتاج والطبقة البروليتارية التي لا تمتلك سوى قوة العمل والتي تعيش نوعا من البؤس والحرمان والتهميش، والتي ستنتصر وبانتصارها يصل المجتمع مرحلة لا تستغل فيها طبقة أخرى، لأن الطبقة الواحدة لا تستغل نفسها وبالتالي بلوغ آخر مرحلة من مراحل التطور البشري.على الرغم من كون كل من هيجل وماركس قد اختلفا في تصورهما للتاريخ، فإنهما مع ذلك يتفقان على كون التقدم قانونا حتميا للتاريخ، وأن التاريخ يسير في اتجاه غاية محددة، الشيء الذي يعني ضمنيا القول بنهاية التاريخ.موقف كاود ايفي ستراوسينتمي كلود ليفي شتراوس إلى المدرسة البنيوية، هذه الأخيرة التي تنكر مفاهيم مثل التقدم و التأخر ...وذلك لكونها ذات حمولة إيديولوجية تتعلق بتصنيف المجتمعات وترتيبها بحيث يظهر بعضها متقدما والآخر متخلفا. وبناء على يؤكد ليفي شتراوس أن التاريخ لا يسير في خط مستقيم ومنتظم تمثل فيه كل مرحلة أساسا لمرحلة لاحقة، بل إن مسار التاريخ يعرف قفزات ووثبات فجائية ومتغيرة الاتجاه، ولعل ذلك ما يبرر ظهور حضارات مختلفة في نفس الزمان. وهكذا فالتاريخ لا يعرف منطقا أو انتظاما أو قوانين حتمية، بل هو محكوم بالصدفة والمفاجأة، حيث أن كل ما يكسبه الإنسان في فترة ما يكون معرضا لخسارته في فترة أخرى.يتبين من خلال المواقف السابقة أن التاريخ محكوم بفكرة التقدم كما هو ظاهر في التغيرات التي عرفتها النظم الاجتماعية والمجتمعات، إلا أن ذلك لا يلغي على التاريخ طابعه المفاجئ، والذي يجعل التنبؤ في التاريخ صعب التحقق.المحور الثالث: دور الإنسان في التاريخإن كون الإنسان كائنا واعيا وكائنا تاريخيا، يشكل فهمه وتأويله للوقائع والأحداث التاريخية مدخلا أساسيا لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، يفرض علينا التساؤل عن علاقة الإنسان بالتاريخ، فهل الإنسان صانع للتاريخ؟ أم أنه مجرد وسيلة في يد التاريخ؟موقف فريدريك هيجلانطلاقا من تصور هيجل للتاريخ كتاريخ للروح المطلق، يعتبر هذا الفيلسوف أن الروح وهو يسعى لتحقيق الوعي بذاته، فهو القوة المحركة للأفراد الذين يستمدون منها قوتهم وقدرتهم، ذلك أن سعي هؤلاء الأبطال لتحقيق رغباتهم وأهدافهم، يجعلهم يحققون أهداف الروح التي تسري في هذا العالم، وبذلك ينحصر دورهم في التاريخ في العمل على تحقيق إرادة الروح السارية في هذا العالم، مما يعني أن الروح يتخذ من الأبطال وسيلة لتحقيق إرادته ووعيه بذاته، كما أن الإنسان يعيش نوعا من الاستلاب في التاريخ. لذلك يؤكد هيجل أن العظماء لا يصنعون التاريخ إلا بقدرما يصنع التاريخ العظماء.موقف كارل ماركسإذا كان هيجل قد ذهب إلى اعتبار التاريخ سيرورة بدون ذات فاعلة، وبالتالي التأكيد على عدم فاعلية الإنسان في التاريخ، فإن ماركس يؤكد على كون الإنسان قادر على تغيير مسار التاريخ، وذلك من خلال وعيه بوجود الاجتماعي والطبقي، هذا الأخير الذي يبقى مشروطا بالتناقضات الحاصلة بين قوى وعلاقات الإنتاج كشروط بنيوية، وبالتالي فتغيير مسار التاريخ لا يتم بحرية مطلقة، بل في ظل الشروط المادية المحيطة بالإنسان. هكذا إذن فرغم تأكيد ماركس على الدور الفاعل للإنسان في صناعة التاريخ فهو من جهة ثانية يعتبر أن هذا الدور يبقى محدودا بالشروط الاقتصادية والاجتماعية.جون بول سارتريؤكد جون بول سارتر موقف ماركس ويذهب به إلى مدى أبعد حيث يعتبر أن الإنسان هو الذي يصنع التاريخ، وليست الشروط، حيث أن هذه الأخيرة لا تعمل إلا في إطار الوجهة التي حددها لها الإنسان، وإذا كان التاريخ ينفلت من بين أيدينا فإن ذلك لا يدل على كوننا لم نصنعه، بقدر ما يدل على كون الآخر يصنعه أيضا. هكذا إذن ينتهي جون بول سارتر إلى كون التاريخ ملكا للإنسان، يصنعه وفقا لأرادته وحريته.إن علاقة الإنسان بالتاريخ تبقى علاقة جدلية، ذلك أن الإنسان، هو من جهة، وفي جزء كبير من شخصيته نتاج لثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه، هذه الثقافة التي تمثل تراكما تاريخيا، إلا أنه من جهة أخرى هو الكائن الذي يرجع إلى التاريخ من أجل فهم حاضره وتوجيه التاريخ لرسم معالم المستقبل بشكل أكثر عمقا. ومنه فالإنسان فاعل في التاريخ ومنفعل به في نفس الوقت.تركيب عاميكشف تناول مفهوم التاريخ كدرس للفلسفة أن:_المعرفة التاريخية، وإن كانت تسعى إلى الموضوعية والعلمية فهي مع ذلك تبقى معرفة تلعب ذات الباحث دورا أساسيا في بنائها الشيء الذي يجعل الموضوعية في التاريخ نسبية وليست مطلقة._ على الرغم من كون التاريخ يبدو وكأنه محكوم بحتمية التقدم، فإن ذلك لا يلغي عنه طابع المفاجأة والصدفة._ علاقة الإنسان بالتاريخ علاقة جدلية: إذ بقدر ما يعتبر الإنسان نتاجا للتاريخ، بقدر ما يلعب دورا أساسيا في تحديد اتجاهه.

تم
ردحذفشكرآ جزيلاً
ردحذفمتأكد انه هذا تلخيص؟؟؟ هذا اطول من الدرس نفسه
ردحذفThank you
ردحذفشكراً
ردحذف