مجزوءة المعرفة
إذا كان الإنسان هو الكائن الذي يعي، ويعي في نفس الوقت
بأنه يعي، فإن وعيه بنفسه وبالأشياء يجعله أيضا كائنا منتجا للمعرفة، هذه الأخيرة
التي شكلت المعرفة العلمية أرقى أنواعها، وذلك لكونها تتوخى تحقيق الموضوعية، سواء
في معرفة الإنسان للعالم الخارجي ،أو في معرفته لذاته، حيث ظهرت العلوم الطبيعية
من جهة، والعلوم الإنسانية من جهة أخرى كمحاولة لتحقيق العلمية والموضوعية في
دراسة الظواهر الطبيعية وكذا الظواهر الإنسانية.
وسواء تعلق الأمر بالعلوم الطبيعية أو العلوم الإنسانية،
فإننا نجد أنفسنا أمام مجموعة من التساؤلات المرتبطة بالمعرفة العلمية عموما،
والمرتبطة بالعلوم الإنسانية على وجه الخصوص.
_فما الأساس الذي تقوم عليه المعرفة العلمية، هل العقل
أم التجربة؟ وهل القول بالتجريب يعني تغييب دور العقل في المعرفة العلمية؟ ما حدود
كل من التجريب والعقل في العقلانية العلمية؟ وما معايير علمية النظريات وصلاحيتها؟
_إلى أي حد يمكن للعلوم الإنسانية تحقيق الموضوعية، كشرط
للعلمية، في دراستها للإنسان؟ وهل يمكن دراسة الإنسان كموضوع خارجي؟ ما المنهج
الملائم لدراسة الظواهر الإنسانية، هل الفهم القائم على التأويل الذاتي، أم
التفسير الموضوعي؟
إلى أي حد يشكل النموذج العلمي للعلوم الحقة، نموذجا
يمكن الإقتداء به بالنسبة للعلوم الإنسانية؟ ألا تفترض خصوصيات الظاهرة الإنسانية
نموذجا للعلمية يتلاءم معها؟
-وإذا كانت الغاية من المعرفة العلمية هي الوصول إلى
الحقيقة، فما المقصود بهذه الأخيرة؟ ما علاقتها بالرأي؟ ما معاييرها؟ وفيم تكمن
قيمتها؟
النظرية والتجربة
يحيل لفظ النظرية في الدلالة اليومية على نظرة فكرية
مبسطة تبسيطا مصطنعا، تتمثل الوقائع بكيفية مفرطة في التعميم، حيث لا يمكن أن
تستخلص منها نتائج قابلة للتطبيق على الواقع، كما يطلق أيضا لفظ نظرية على تصور
فردي: عشوائي، ناجم عن الخيال أكثر مما هو ناجم عن العقل. أما في الاصطلاح
فالنظرية بناء تأملي للعقل، يربط النتائج بالمبادئ. ومعنى ذلك أن النظرية
ليست شيئا معطى، بل هي ما يتم بناؤه عقليا، بحيث تشكل نسقا من المفاهيم والقوانين
والمبادئ التي تساعد الإنسان على فهمه للواقع، تفسيره، وتنبئه بوقوع الظواهر
المدروسة.
أما التجربة فتعني في اللغة المهارة الخبرة والإتقان،
وبذلك فهي ترتبط بالممارسة والتطبيق. أما في الإصطلاح فتعني إعادة إنشاء
ظاهرة ما، تمت ملاحظتها، في شروط محددة قصد دراستها، والوصول إلى بناء معرفة
حولها، فالتجربة بهذا المعنى هي " وسيلة العالم التجريبي لمعرفة
القوانين المتحكمة في الظواهر"
يتبين من خلال ما سبق أن العلاقة بين النظرية والتجربة
تنطوي على مجموعة من التقابلات، حيث تحيل النظرية على القوانين العقلية المجردة،
بينما ترتبط التجربة بالواقع الحسي والملموس، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالنظرية
هي وسيلة الإنسان لفهم الواقع، كما أن التجربة هي الوسيلة التي تمكن من إعطاء
النظرية مصداقيتها وقوتها.
إن هذا التوتر الحاصل بين مفهومي النظرية والتجربة، بين
العقل والواقع، في المعرفة العلمية يجعلنا نطرح مجموعة من التساؤلات الفلسفية
بخصوصهما:
فما أساس النظرية العلمية هل العقل أم التجريب؟ وهل
القول بالتجريب يعني تغييبا لدور العقل؟
هل بناء المعرفة العلمية ينطلق من العقل أم من التجربة؟
كيف تتحدد العلاقة بين العقل والتجربة في العقلانية العلمية؟
ما معايير صلاحية وعلمية النظريات؟
المحور الأول: التجربة والتجريب
يدل مفهوم التجريب
عل التجربة العلمية، وهو بذلك يحيل على مجموعة من الإجراءات والخطوات التي يتبعها
العالم من أجل تعريض الظاهرة المدروسة للمساءلة وتلقي الأجوبة، إنه إعادة إنشاء
الظاهرة مخبريا، وفق شروط يحددها العالم، قصد دراستها والوصول إلى القوانين
المتحكمة فيها، وبهذا المعنى فالتجريب يختلف عن التجربة العادية المرتبطة فقط
بالتجربة الحسية أو الخبرة الشعورية.
وقد شكل التجريب خطوة
أساسية في بناء المعرفة العلمية، التي تتوخى الدقة، الموضوعية، والصرامة في
أبحاثها ونتائجها، والتي اقترن اسمها بالمنهج التجريبي. فما هي أهم خطوات هذا
المنهج؟ وهل القول بالتجريب يعني تهميش دور العقل؟ ألا يمكن الحديث عن تجارب عقلية
إلى جانب التجارب الواقعية؟
موقف كلود برنار
يعتبر كلود برنار أن بناء معرفة علمية
بخصوص الظواهر المدروسة، يستلزم تتبع خطوات المنهج التجريبي والتي حددها في:
الملاحظة: والمقصود بها
الملاحظة العلمية المجهزة بكل التقيات المتاحة، للظاهرة وذلك قصد مراقبتها على ما
هي عليه، وتحويلها إلى ظاهرة علمية.
الفرضية: وهي بمثابة جواب مؤقت وافتراضي، يفسر به العالم
الظاهرة الملاحظة. وحتى تكون الفرضية علمية، لابد أن يتوفر فيها شرطان أساسيان:1
أن يكون مصدرها هو الظاهرة المدروسة والملاحظة. 2 أن تكون الفرضية قابلة للتحقق من
صدقها أو كذبها عن طريق التجريب.
التجربة: وهي عزل للظاهرة من
خلال إعادة إنشائها وفق لشروط يحددها العالم، وذلك بغية البحث عن الإجابات التي
توفرها الظاهرة المدروسة عن فرضياته، والتأكد من صدقها أو كذبها. وبذلك يتحول
العالم إلى مجرب وملاحظ في نفس الوقت.
القانون: وهو الفرضية التي
صادقت عليها التجربة، إنه العلاقة السببية المنتظمة بين ظاهرتين أو أكثر.
هكذا إذن فالنظرية العلمية ليست سوى الفرضية المحققة
والتي جرى إخضاعها لرقابة المحكمة العقلية من جهة، والنقد التجريبي من جهة ثانية.
مما يعني أن التجريب يمثل خطوة أساسية في تحويل الفرضية إلى نظرية علمية، كما أنه
يتطلب تدخل العقل سواء في وضع الفرضيات، أو تحديد شروط التجربة، وكذا صياغة
القانون.
موقف روني طزم
ينتقد روني طوم
المنهج التجريبي بمعناه التقليدي وذلك لكونه يعتبر أن التجريب وحده كاف
للتحليل السببي للظواهر، معتبرا أن المنهج التجريبي بهذا المعنى مجرد أسطورة أو
وهم، وفي مقابل ذلك، يقر روني طوم بوجود فعالية تجريبية، يكتمل فيها الواقعي
بالخيالي، حيث أن العالم لا يكتفي دائما بإجراء التجربة في المختبر، بل قد ينجزها
في عقله أيضا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالظواهر الميكروفزيائية التي يصعب إخضاعها
للتجربة بالمعنى التقليدي. ومعنى ذلك أن الفعالية التجريبية لا تتم إلا بإكمال
الواقعي بالخيالي. وإذا كان الأمر كذلك فإن الفعالية التجريبية لا تكون علمية إلا بتوفر شرطين:
1 أن تكون قابلة للتكرار.
2 أن تثير اهتماما تطبيقيا عمليا
مرتبط بالاستجابة لحاجة بشرية، أو نظريا يتمثل في المساهمة في حل إشكالية
علمية قائمة.
يمكن أن نخلص من خلال هذا المحور إلى كون التجريب ممارسة
منهجية تجمع بين التمحيص العقلي من جهة، والنقد الاختباري من جهة ثانية، ذلك أن كل
ممارسة تجريبية تتطلب تدخلا للعقل سواء في صياغة الفرضيات أو تنظيم شروط التجربة،
أو التعميم.
المحور الثاني: العقلانية
العلمية
يحيل مفهوم العقلانية العلمية على
العقل من جهة والتجربة من جهة ثانية، الشيء الذي يدفع إلى التساؤل عن دور كل منهما
في بناء النظرية العلمية. فما طبيعة العقلانية العلمية؟ وهل المعرفة العلمية تبنى
انطلاقا من التجربة؟ أم من العقل؟ وما حدود كل من العقل والتجربة في بناء النظريات
العلمية؟ وهل العقل العلمي عقل منغلق، أم عقل منفتح؟
موقف هانز ريشنباخ
يعتبر هانز ريشنباخ من أنصار
الاتجاه الوضعي حيث يؤكد على أن المعرفة العلمية هي المعرفة التي يتم بناؤها وفقا
لمناهج معقولة، تقوم على استخدام العقل مطبقا على مادة الملاحظة. ومعنى ذلك أن
التجربة تمثل دورا أساسيا في بناء المعرفة العلمية، وفي مقابل ذلك فهو ينتقد
المذاهب العقلانية والعقلية والتي تتخذ العقل وحده مصدرا للمعرفة دون الرجوع إلى
الواقع التجريبي، ذلك أن المعرفة بهذا المعنى تكتسي طابعا فلسفيا، مثاليا وليس
علميا، ولعل عالم الرياضيات يكون أقرب إلى هذا النمط من المعرفة وذلك لكونه يعتمد
على الاستبصار العقلي، بدلا من الإدراك الحسي في بناء النظريات الرياضية.
موقف
انشتاين
إذا كان ريشنباخ قد أكد على أهمية التجربة في بناء النظريات العلمية، فإن اينشتاين
ومن داخل الفيزياء النظرية يعتبر أن النظرية العلمية هي نتاج للعقل المحض، ذلك أن
النسق الكامل للفيزياء النظرية يتكون من مفاهيم وقوانين أساسية تشتق منها النتائج
بواسطة الاستنباط المنطقي. ومادامت المفاهيم والقوانين من إنتاج العقل فمعنى ذلك
أن مصدر النظرية هو العقل لا التجربة. يقول اينشتاين "إني أصادق
على أن الفكر الخالص قادر على فهم الواقع (بدون تجربة) كما كان يحلم بذلك
القدماء"
موقف روبير بلانشي
ينتقد روبير بلانشي كلا من التصور العقلاني
التقليدي الذي يعتبر العقل مصدرا وحيدا لبناء النظريات العلمية، كما ينتقد التصور
التجريبي الذي يعتبر العقل مجرد منفعل
سلبي بمعطيات التجربة، ليؤكد أن النظريات العلمية هي نتاج للتكامل بين العقل
والواقع، ومعنى ذلك أن مصدر النظريات العلمية هو العقل، إلا أن العقل ليس عقلا
منغلقا بل هو عقل مفتوح يعيد تنظيم ذاته ومراجعة مبادئه، في إطار تفاعله مع الواقع
وما يكشف عنه من تغيرات، وفي نفس الإطار يؤكد غاستون باشلار أن العلماء لا يدركون الوجود بأسره عن طريق
التجربة وحدها أو عن طريق العقل وحده، بل إن تاريخ العلوم هو تاريخ تلك المحاورة
الشيقة بين النظرية والواقع، بين العقل والتجربة، ذلك أن العالم الذي يجرب في حاجة
دائما إلى أن يستدل، كما أن العالم الذي يستدل في حاجة إلى أن يجرب.
يتبين أن العقلانية العلمية التجريبية عقلانية تزاوج بين
العقل من جهة والتجربة من جهة أخرى، ذلك أن تاريخ العلم هو تاريخ تصحيحه لأخطائه،
حيث أن النظريات التي يضعها العقل ليست نظريات نهائية أو مطلقة، بل هي مجرد فرضيات
تساعد على فهمنا للواقع وبالتالي فهي نظريات يتم تعديلها وتصحيحها كلما تعارضت مع
معطيات التجربة. وإذا كان الأمر كذلك فما هي معايير علمية وصلاحية النظريات؟
المحور الثالث: معايير علمية وصلاحية
النظربات
يرتيط الحديث عن
المعرفة العلمية برغية الإنسان في الوصول إلى نظريات علمية تمكنه من فهم وتفسير
الواقع، إلا الحديث عن النظريات العلمية يجرنا إلى الحديث عن المعايير والمقاييس
التي يمكن اعتمادها للتمييز بين النظريات العلمية، والغير علمية. فما معايير علمية وصلاحية نظرية ما؟ هل التجربة،
أم التماسك المنطقي؟ أم قابلية النظرية للتكذيب؟
موقف بيير دوهيم
يعتبر بيير دوهيم
من أنصار الاتجاه الاختباري التجريبي، هذا الأخير الذي يعتبر أن التجربة العلمية
هي منبع النظرية العلمية، ومن هذا المنطلق يؤكد بيير دوهيم على أن معيار علمية وصلاحية نظرية ما، يتحدد
بمطابقتها للواقع وللقوانين التجريبية، التي تعبر عنها النظرية، يقول بيير
دوهيم " فالنظرية الصحيحة...هي التي تعبر بطريقة صحيحة عن مجموعة من القوانين
التجريبية"
موقف كارل بوبر
إذا كان بيير دوهيم قد أكد على كون التحقق
التجريبي، ومطابقة للقوانين التجريبية هو المعيار المحدد لعلمية النظريات، فإن كارل
بوبر يحدد أربع مراحل للتأكد من صلاحية وعلمية النظريات وهي:
-التأكد من التماسك المنطقي لعناصر
النسق النظري.
- تحديد طبيعة النظرية، توتولوجية تحصيلية أو اختبارية علمية.
- التأكد من كون النظرية تمثل تقدما
علميا إذا ما قورنت بالنظريات السابقة.
- القابلية للتكذيب، ويعتبر من أهم
المعايير التي وضعها كارل بوبر، حيث يقوم على كون النظرية العلمية هي التي يسمح
منطوقها باستنباط مجموعة من النتائج القابلة للاختبار التجريبي، حيث تكون النظرية
علمية كلما نجحت في اجتياز كل المحاولات لتكذيبها، وبهذا المعنى فليس هناك نظرية
صحيحة بقدر ما أن هناك أفضل النظريات، ذلك أن كل نظرية هي بمثابة فرضية، قابلة
للتجاوز والتصحيح كلما أظهرت الاختبارات التجريبية كذبها، ليصبح، بذلك، تاريخ
العلم هو تاريخ تصحيح أخطاء العلم.
إذا كان الفلاسفة والعلماء قد اختلفوا حول مصدر النظرية
العلمية ومنبعها، فإن ذلك لا محالة انعكس على تحديد معايير العلمية حيث يركز أنصار
الاتجاه العقلي على أهمية التماسك المنطقي لعناصر النظرية كأساس للعلمية، في حين
يعتبر أنصار الاتجاه التجريبي على كون الواقع والقوانين التجريبية التي تعبر عنها
النظرية هي المرجع الذي يحدد مدى علمية وصلاحية النظريات.
تركيــــب
:
مهما تعددت المواقف الفلسفية بخصوص العلاقة بين النظرية
والتجربة، العقل والواقع، الذات والموضوع، فإن المعرفة العلمية هي معرفة تجريبية
من حيث كونها إخبارية، ذلك أنه مهما بلغ التماسك المنطقي للنظرية فإنه لا مندوحة
لها من الرجوع إلى الواقع ليصادق عليها، كما أن كل تجربة لا تكون معرفة علمية إلا
بوجود نظرية تستوعبها.

لقد استأثر الإنسان منذ
القدم بالدراسة من قبل الفلسفات القديمة،إلا أن هذه الدراسة لم ترق إلى مستوى
الدراسة العلمية، حيت أن ما يميز التناول الفلسفي للظواهر الإنسانية هو غياب
المنهج العلمي، بالإضافة إلى التشبع
بالأحكام القيمة و المواقف الأخلاقية و طغيان الجانب الخيالي والتجريدي. وإذا كان
الأمر كذلك، فإن نجاح العلوم الطبيعية في
دراسة الظواهر الطبيعية
بفضل اكتشاف المنهج الموضوعي/التجريبي، وبالتالي معرفة القوانين التي تحكم هذه
الظواهر وإعلان الإنسان سيطرته على الطبيعة، قد حدا بالإنسان إلى محاولة دراسة الظواهر
الإنسانية أيضا دراسة علمية، من خلال العلوم الإنسانية.
الطرح
الإشكالي
يمكن تأطير المجال
الإشكالي لمسألة العلمية في العلوم الإنسانية ضمن الحقل الإبستمولوجي الخاص ببناء
نظرية علمية حول التجربة الإنسانية في مختلف أبعادها، النفسية، التاريخية،
الاجتماعية... وما يطرحه ذلك من إشكالات فلسفية: كعلاقة الذات بالموضوع، خصوصية
الموضوع، نوعية المناهج الملائمة لدراسة الظواهر الإنسانية، و طبيعة العلاقة بين
العلمية في العلوم الإنسانية والنموذج العلمي الذي تقدمه العلوم الحقة، وخصوصا العلوم الطبيعية، ومن هذا المنطلق يمكن
صياغة الإشكالات الفلسفية التالية:
- هل يمكن للعلوم الإنسانية إنتاج معرفة
موضوعية بخصوص الظاهرة الإنسانية؟
- ما طبيعة المنهج الملائم لدراسة الظواهر
الإنسانية، هل منهج التفسير الموضوعي، أم منهج الفهم ؟
-ألا يمكن أن يكون للعلوم الإنسانية نموذجا
للعلمية مقتبسا من العلوم الطبيعية و مكيفا مع خصوصيات الظواهر الإنسانية؟
المحور الأول:
الموضوعية في العلوم الإنسانية
إن الحديث عن العلمية في
العلوم الإنسانية، رهن بمدى إمكانية موضعة الظاهرة الإنسانية،أي تحويل الإنسان إلى
موضوع طبيعي يشبه باقي الموضوعات الطبيعية من حيت قابليتها للتحديد الدقيق و
التكميم و الخضوع لقوانين حتمية، أو بمعنى أخر إمكانية إنتاج معرفة علمية بخصوص
الإنسان لا تتأثر بمواقف وأهواء وأحكام الباحث، و كذا أخلاقه وانتماءاته سواء منها
السياسية ، الأخلاقية الاجتماعية أو غيرها. فهل يمكن تحقيق الموضوعية في دراسة الظواهر
الإنسانية بهذا المعنى؟
لمقاربة هذا الإشكال
يمكن تقسيم الاتجاهات العلمية إلى قسمين:
1- الاتجاه
الوضعي:
يرى أنصار هذا الاتجاه
أن الظاهرة الإنسانية سواء كانت نفسية أو اجتماعية يمكن دراستها كظاهرة خارجية، أي
أن الظواهر الإنسانية تقبل التجريب و القياس والترييض،وبالتالي فبإمكان الباحث
دراسة الظواهر الإنسانية دراسة موضوعية ومادية تفصلها عن كل تناول لاهوتي أو ميتافيزيقي،ومن أبرز ممثلي هذا
الاتجاه نجد:
أ-
أو كست كونت، الذي دعا إلى دراسة الظواهر الإنسانية دراسة علمية وصفية،
مقررا إن الظواهر الاجتماعية تخضع لقاعدة الحتمية و الجبرية التي تعتبر أخص خصائص
المعرفة العلمية والتي تتميز بها الظواهر البيولوجية والطبيعية،
ب-
وهكذا فقد أسس "كونت" الفيزياء الاجتماعية التي ستعرف فيما بعد باسم علم الاجتماع
الذي يهتم بدراسة الظواهر الاجتماعية دراسة موضوعية. و يقوم علم الاجتماع على
دراسة فيزيولوجية للمجتمع حسب" كونت"عن طريق بعدين أساسيين: أولهما البعد الاستاتيكي السكوني، ويتضمن دراسة أحوال المجتمع كما
هي موجودة فعلا، و أساس الحالة السكونية في المجتمع هو "النظام"،
وثانيهما البعد الديناميكي ،ويعنى بدراسة حركة المجتمع ونموه
المستمر، وأساس الحالة الديناميكية في المجتمع هو التقدم.
وتبقى أهمية
"كونت" في كونه اصطنع منهج التجربة و التجريب الاجتماعي، ونبه على ضرورة
الأخذ بالمنهج التجريبي في البحث الاجتماعي، مؤيدا طريقة الملاحظة ومهاجما طريقة
الاستبطان.
ب- إميل
دور كهايم:
يؤكد إميل دوركهايم على كون الظواهر
الاجتماعية ظواهر موضوعية، أي أنها توجد خارج الذات، فهي حقائق واقعية، تدرس دراسة
موضوعية شأنها في ذلك شأن الأشياء، إذ أن
وجودها غير متعلق بوجود الأفراد في حالة
تجمع، فبعض الظواهر
كالدين ، اللغة و العادات توجد على الدوام من جيل إلى جيل. و هي لا تتأثر بتغير
الأفراد، بل إن الأفراد حسب إميل دوركهايم يخضعون لنظم و ظواهر سابقة على
وجودهم في الحياة،مستقلة عن ذواتهم الفردية، ومتحققة خارج شعورهم الفردي كحقائق
شيئية واقعية، وهكذا فإنه لا مناص حسب – دوركهايم- من دراسة الظواهر الاجتماعية
باعتبارها أشياء وحقائق موضوعية خارجية، منفصلة عن مشاعرنا الداخلية، وعلى الباحث
أن يبدل قصارى جهده ليلاحظ هذه الظواهر من النواحي التي تبدو فيها مستقلة عن صورها
الفردية، وذلك عبر التخلص من سلطان مشاعره الخاصة،ظروفه الذاتية، تجربته الشخصية، نزعته
السياسية أو عقيدته الدينية أو نظرته الاقتصادية...مقتصرا بذلك في دراسته على
إدراك علاقة الظاهرة الاجتماعية التي يدرسها، بالظواهر الاجتماعية الأخرى، التي
تربطها إياها رابطة السببية، وذلك باستعمال المنهج المقارن الذي يقوم على
استخلاص العلاقة السببية بين الظواهر الاجتماعية من خلال المقارنة بين الحالات
التي توجد فيها الظاهرة موضوع الدراسة، والظواهر المرتبطة
2-الاتجاه
اللاوضعي
إذا كان أنصار الاتجاه
الوضعي يعتبرون الظواهر الإنسانية ظواهر قابلة للموضعة و الدراسة العلمية من خلال
المنهج التجريبي القائم على الملاحظة و التجريب، للوصول إلى قوانين منتظمة بخصوص
هذه الظواهر، فإن أنصار الاتجاه اللاوضعي يعتبرون أن للظواهر الإنسانية خصوصيات
غير تلك التي للظواهر الطبيعية وبالتالي فهي تند عن الدراسة الموضوعية لعدة أسباب
منها ما هو متعلق بالباحث، وما هو متعلق
بالظاهرة الإنسانية ذاتها. ومن بين ممثلي هذا الاتجاه نجد:
أ-
لوسيان غولدمان
في إطار تناوله لإشكالية
الموضوعية في العلوم الإنسانية يعقد لوسيان غولدمان مقارنة بين العلوم الطبيعية
(الفيزياء،الكيمياء،الفزيولوجيا) والعلوم الإنسانية (كالسوسيولوجيا والتاريخ). حيث
يعتبر أن الاختلاف بين المجالين ليس اختلافا في الدرجة فقط بل هو اختلاف في طبيعة
كل من العملين، ففي الوقت الذي يعتبر معيار المطابقة للواقع هو معيار المعرفة
العلمية في العلوم الطبيعية -بعيدا عن مصالح أو قيم أي طبقة من طبقات المجتمع- فإن
المعرفة التي تنتجها العلوم الإنسانية في دراستها للظواهر الإنسانية، تتأثر بالأحكام
القبلية والمواقف المضمرة والنوازع اللاواعية للباحث الشيء الذي يسد عليه الطريق
أمام الفهم الموضوعي للظاهرة الإنسانية، ومعنى ذلك أن الفصل بين مواقف الباحث و
قيمه وأهوائه في دراسته للظواهر الإنسانية يبقى شيئا صعب التحقق حتى بتطبيق
المناهج العلمية.
ب- رينيه
بوفريس
تؤكد "رينيه بوفريس" أن العلاقة بين الفلسفة
والعلم هي مجال للتنافس، ذلك أن الروح العلمية المولعة بالموضوعية قد أبعدت الظواهر
الطبيعية، من مجال البحث الفلسفي من خلال العلوم الطبيعية، التي تعتمد على المنهج
التجريبي في دراستها للظواهر الطبيعية، واكتشاف القوانين التي تحكمها بعيدا عن الذاتية.
وإذا كان الأمر كذلك فإن العلوم الإنسانية بدورها ظهرت كمحاولة لإخراج الإنسان من مجال
التناول الفلسفي -المشبع بالروح الأخلاقية وأحكام القيمة وكذا الآراء الشخصية-إلى
مجال المناولة العلمية التي تنتج بخصوصه خطابا بعيدا عن الذاتية، وقائما على دراسة
الظواهر الإنسانية- باستخدام المنهج التجريبي-، باعتبارها ظواهر واقعية ملموسة
قابلة للملاحظة و التجريب، إلا أن العلوم الإنسانية حسب رينيه بوفريس تبقى بعيدة عن بلوغ الموضوعية و ذلك لكون المعرفة التي
ينتجها الإنسان عن نفسه تبقى مشبعة بالذاتية. كما أنها وبحكم طبيعتها ترتبط بالإيديولوجيات الموجهة لها مما يجعلها بعيدة عن التناول الموضوعي القائم على دراسة المظاهر
الأولية من الحقيقة أو الواقعة الإنسانية هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالظاهرة
الإنسانية -وعلى خلاف الظاهرة الطبيعية- ظاهرة معقدة، واعية، متغيرة، وغير قابلة
للتكرار مما يجعل الإحاطة بها من كل الجوانب مطلبا بعيد المنال.
يمكن تعزيز هذين
الموقفين بموقف جان بياجي الذي يعتبر أن تداخل الذات والموضوع في العلوم
الإنسانية ينتج عنه صعوبة تحقيق الموضوعية التي تعتبر أساس العلمية في العلوم
الحقة.
المحور الثاني: الفهم والتفسير
إن الاختلاف في المواقف بخصوص الموضوعية في العلوم
الإنسانية،نظرا لما تختص به الظواهر الإنسانية من مميزات مقارنة بالظواهر
الطبيعية، يجعل من مسألة المنهج الملائم لدراسة هذه الظواهر موضع جدال ونقاش
فلسفيين، مما يطرح معه مجموعة من التساؤلات الفلسفية، يمكن صياغتها كما يلي:
هل المنهج الملائم لدراسة الظواهر الإنسانية هو منهج التفسير
الموضوعي التجريبي، أم منهج الفهم المؤسس على المعايشة الوجدانية والتأويل الذاتي
لهذه الظواهر؟
في إطار تناولنا لهذا الإشكال نستعرض مجموعة من المواقف
والأطروحات الفلسفية التي تختلف باختلاف المنظور الذي ينطلق منه كل فيلسوف:
1- موقف جيل غاستون غرانجي
يعتبر جيل "غاستون غرانجي" أن دراسة
الظواهر الإنسانية تقوم على أساس فعاليتين عقليتين مختلفتين:أ- التفسير ويقوم
على اكتشاف العلاقات السببية، والقوانين الثابتة التي تربط بين الحوادث أو الوقائع
الإنسانية، دون التساؤل عن علل تلك العلاقات. وهو منهج مستمد من العلوم الطبيعية
في دراستها للظواهر الطبيعية، ب- منهج الفهم، الذي يتجاوز مستوى كشف
العلاقات السببية بين الظواهر الإنسانية إلى مستوى تأويلها وإضفاء معنى وقيمة
عليها من خلال المعايشة الوجدانية، مما يعطي مجالا واسعا لتدخل ذات الباحث
المتمثلة في مشاعره الوجدانية والحد من فعالية العقل، ومعنى ذلك أن الاعتماد على
منهج الفهم يجنح بالمعرفة المتعلقة بالظواهر الإنسانية إلى متاهات الأسطورة، والسحر
والتأويل الذاتي.
وخلاصة القول أن "جيل غاستون غرانجي" يؤكد
على أهمية منهج التفسير في دراسة الظواهر الإنسانية وذلك لكونه يكفل إنتاج معرفة
علمية وموضوعية بخصوصها، وفي مقابل ذلك يقر بمحدودية منهج الفهم لكونه يتجاوز ما
هو عقلي موضوعي إلى ما هو ميتافيزيقي ليزج بالمعرفة المتعلقة بالظواهر الإنسانية،
في الذاتية و التفسير الأسطوري و السحري لهذه الظواهر.
موقف جول مونرو
إذا كان جيل غاستون غرانجي قد أكد على أهمية التفسير
و محدودية الفهم في دراسة الظواهر الإنسانية دراسة علمية موضوعية، فإن جول
مونرو وعلى العكس من ذلك يؤكد على أن منهج الفهم يقوم على خاصية أساسية و هي
البداهة والوضوح، وهذه الأخيرة، هي تعبير عن معرفة مباشرة ورؤية نافذة للظواهر
المدروسة، وعلى هذا الأساس فالفهم فعل معرفي مباشر وإدراك لدلالة معيشة كتجربة
بديهية، و من هنا فإن جول مونرو يؤكد على أهمية المنهج التفهمي في دراسة
الظواهر الإنسانية، إذ أن دور الباحث في مجال دراسة هذه الظواهر ليس الوصول إلى
العلاقات السببية الرابطة بينها، وتبرير وجود ظاهرة ما بافتراض ظاهرة أخرى، كما هو
الشأن في منهج التفسير، بل الدور الأساسي و الأهم للباحث هو محاولة فهم الظاهرة
الإنسانية في إطار وضعية وجودية ووجدانية تقوم على أساس المعايشة اليومية.
3- موقف ماكس فيبر
في مقابل التصورين السابقين يعتبر ماكس فيبرأن دراسة الظواهر
الإنسانية-خصوصا الاجتماعية منها- يقوم على أساس إتباع منهج يجمع بين التفسير
والفهم وهو ما يطلق عليه اسم : الفهم التفسيري للفعل الاجتماعي، حيث أن هذا
المنهج يحقق هدفين اثنين: الأول، أنه يمكننا من معرفة الأسباب والعوامل
التي تؤدي إلى حدوث الظواهر الاجتماعية، والثاني، أنه يمكننا من إدراك
المعاني الذاتية التي تنطوي عليها الأفعال الإنسانية، وعليه فالفهم عند
"فيبر" يجب أن يكون ملائما سببيا، وملائما على مستوى المعنى، لأن المعنى
هو الذي يمكننا من المقارنة بين مفهوم الفعل و مفهوم السلوك، إذ ليس كل سلوك فعلا
اجتماعيا، فالسلوك هو التصرفات التي يلاحظها المرء من الخارج و التي تختلف عن
الدافع الكامن الذي لا نستطيع أن نلاحظه، وإنما نكتفي باستنتاجه من السلوك
الملاحظ،. أما الفعل الاجتماعي فهو السلوك والدافع معا، أي الوسيلة والغاية معا، ومعنى ذلك أن فهم فعل اجتماعي يتطلب معرفة الأسباب التي
تتحكم فيه. وكدا المعنى الذاتي الذي ينطوي عليه أو الغاية منه. وبهذا يتجاوز
فيبر ثنائية الفهم و التفسير ليقدم منهجا قائما على الفهم والتفسير معا.
من خلال ما سبق يتبين أن منهج التفسير منهج وصفي يقتصر على
دراسة الظواهر الإنسانية من خلال مظاهرها الخارجية، لذلك يبقى
قاصرا عن الفهم الحقيقي والموضوعي لهذه الظواهر، كما أن الاعتماد على الفهم يجعل
من معرفة الظواهر الإنسانية، معرفة ذاتية تتأثر بشكل أو بآخر بنظرة الباحث وتأويلاته
وتجربته الوجدانية. لذا فإن المنهج الكفيل بالدراسة العلمية لهذه الظواهر، هو المنهج
الذي يجمع بين التفسير والفهم، أي إنتاج معرفة بخصوص هذه الظواهر، تقوم على أساس
التأويل المستند إلى قوانين موضوعية يتم التوصل إليها باستعمال المنهج التجريبي.
وإذا كانت الغاية من إدخال المنهج في دراسة الظواهر
الإنسانية هي الوصول إلى معرفة علمية بخصوصها،.فهل يمكن الحديث عن العلمية في
العلوم الإنسانية كما هو الشأن في العلوم الحقة، أم العلمية في العلوم الإنسانية،
علمية تتوافق مع خصوصيات الظواهر التي تدرسها؟
المحور الثالث: مسألة نموذجية العلوم
الإنسانية
إن الحديث عن المعرفة العلمية بالظواهر الإنسانية -التي تتميز
بخصائص عدة مقارنة مع الظواهر الطبيعية- يطرح عدة تساؤلات بخصوص نموذج العلمية في
العلوم الإنسانية: فهل العلمية في هذه العلوم الإنسانية تستمد نموذجها من العلوم
الحقة؟ أم لها نموذجا خاصا للعلمية؟ وأي نموذج للعلمية في العلوم الإنسانية؟
1-موقف جان لادريير
يضع "جون لادريير" نموذجية العلوم الطبيعية
بالنسبة للعلوم الإنسانية موضع استشكال، حيث يعتبر أن خصوصية الظاهرة الإنسانية،
تجعل منها ظاهرة تستعصي على الموضعة، لذلك فإن منهج التفسير كمنهج خاص بالعلوم الفيزيائية
-يقوم على وضع ذات الباحث بين قوسين في تناوله للظواهر
المدروسة- يبقى عاجزا ومحدودا في دراسته للظواهر الإنسانية التي ترتبط بنظام من
الدلالات والمقاصد والقيم والغايات، كما أن منهج الفهم -الذي يقوم على التخلي
الكلي عن كل المصادر التي يمكن أن تقترح من طرف العلوم الطبيعية في دراسة الظواهر
الإنسانية مما يجعل من المعرفة المتعلقة بهذه الظواهر، معرفة ذاتية بعيدة عن معنى
العلمية. وفي مقابل انتقاده لمنهجي الفهم و التفسير، يعتبر "جون لادريير"
أن حقل الظواهر الإنسانية يمكن أن يمنحنا صورة جديدة للعلمية في مجال دراسة
الظواهر الإنسانية. إلا أن ذلك لا يعني انتظار ظهور نمط لعلوم الإنسان مخالف كلية
للعلوم الطبيعية، بل إن جان لادريير يستبق نموذجا للعلمية في العلوم
الإنسانية يقوم على اقتباس نموذج العلمية من العلوم الطبيعية ويتلاءم مع خصوصيات
الظواهر الإنسانية.
2-موقف ادغارموران
إذا كان جان لادريير يعتبر أن العلوم الإنسانية تتميز
باستعارة تصوراتها لموضوعاتها و مجالاتها من تصورات العلوم الدقيقة مع تأكيده على
ضرورة البحث عن تصورات خاصة ومميزة للعلوم الإنسانية، فإن ادغار موران يؤكد
على وجود نمطين من السوسيولوجيا في مجال البحث الاجتماعي.
1-
سوسيولوجيا علمية، تستمد نموذجها العلمي من العلوم الفيزيائية
التي تقوم على التفسير الميكانيكي والحتمي، حيث تقتصر على استخلاص القوانين والعلاقات
السببية باعتبارها علاقات ثابتة خطية ومنتظمة بين الظواهر المدروسة مستبعدة من ذلك
ذات الباحث وفاعلية هذه الذات وحريتها.
2-
سوسيولوجيا وصفية، وهي سوسيولوجيا يطغى عليها التحليل
الفلسفي و التأمل الأخلاقي في تناولها للظواهر الإنسانية، حيث أن هذه السوسيولوجيا
الإنشائية تمنح للذات العارفة دورا أخلاقيا وفاعلا في إعادة بناء الظاهرة
الاجتماعية وفهمها. إلا أن كون هذه الأخيرة تقوم على تدخل الذات في موضوع الدراسة،
لا ينفي عنها صفة العلمية ذلك أن مفهوم الذات أصبح مفهوما مركزيا يصعب التخلص منه
في بناء المعرفة حتى في العلوم الدقيقة كما هو الأمر في الفيزياء الحديثة.
خلاصــــــات:
لقد شكلت العلوم الإنسانية محط جدال و نقاش فلسفيين بخصوص
إمكانية دراسة الإنسان دراسة علمية.
* إن الحديث عن العلوم
الإنسانية يصطدم بمفهوم الموضوعية كشرط لازم لكل معرفة علمية، وإذا كانت العديد من
الآراء تعتبر أن الموضوعية لا يمكن تحقيقها في دراسة الظواهر الإنسانية، فإنه يمكن
الإقرار بأن للعلوم الإنسانية موضوعيتها الخاصة التي تختلف عن الموضوعية في العلوم
الدقيقة، حيث أن الباحث في الظواهر الإنسانية لا يعمل في فراغ بل في إطار مجتمع له
قيمه و مصالحه و أهدافه. و عندما يلتزم الباحث بهذه القيم و المصالح، فإنه لا يخرج
عن الموضوعية، مادام يؤكد أن نتائج بحته مقتصرة على المجتمع أو الفئة التي يقوم
بدراستها، وأن أبحاثه لا تلزم باحثي مجتمعات مغايرة،أي أن التعميم يبقى نسبيا.
* إن الحديث عن المنهج في
العلوم الإنسانية بدوره يعرف جدالا و نقاشا فلسفيين، إذ أن خصوصيتها تقتضي تجاوز
المناهج التجريبية المقتصرة على التفسير، إلا أن ذلك لا يعني السقوط في الفهم
القائم على الذاتية والتأملات الفردية بل لابد من المزاوجة بين عمليتي الفهم
والتفسير لمعرفة الأسباب و اكتشاف الدلالات والقيم المرتبطة بالظواهر الإنسانية.
* إذا كانت الاتجاهات
الوضعية تعتبر أن نموذج العلمية في العلوم الطبيعية مناسب لنموذج العلمية في
العلوم الإنسانية، فإن الوضعية المعاصرة لهذه العلوم ، تعرف اعتماد هذه المناهج في
دراسة الظواهر الإنسانية مع تكييفها مع خصوصيتها، والسعي للوصول إلى نموذج للعلمية
خاص بالظواهر الإنسانية،يتجاوز مفهوم العلمية في العلوم الطبيعية.
الحقيقة
تعتبر مشكلة الحقيقة مفتاح
جميع المشاكل الفلسفية، حيث أن الفلسفة بذاتها تتحدد باعتبارها بحثا عن الحقيقة،
ومن هنا فان الحديث عن الإنسان في بعده المعرفي الإبيستيمولوجي لايعني أن المعرفة
غاية بحد ذاتها،بل إن فعل المعرفة يبتغي
الوصول إلى الحقيقة ، فما معنى الحقيقة؟
تطلق كلمة "حقيقة"
بمعان متعددة:فيقصد بها أحيانا معنى الواقع، أو معنى الصواب، و كذا معنى
الماهية.أما في الدلالة الفلسفية: فالحقيقة هي مطابقة الفكر لموضوعه، فما موضوع
الفكر؟
يعتبر الاتجاه العقلاني أن
موضوع الفكر هو الفكر نفسه، و بالتالي فالحقيقة بهذا المعنى هي نتيجة انطباق الفكر
على مبادئه المنطقية القبلية وعدم تناقضه
معها،وهكذا فإضفاء صفة الحقيقة على فكرة ما ليس بحاجة للرجوع إلى الواقع ن بل إن
معيار الحقيقة هو عدم التناقض. أما الاتجاه التجريبي فيعتبر أن موضوع الفكر هوا
لواقع ،وبالتالي فالحقيقة هي مطابقة الفكر للواقع مطابقة تامة ، وهكذا فمعيار الحقيقة
ليس معيارا ذاتيا يعكس علاقة الفكر بذاته،بل هو معيار موضوعي يشخص علاقة الفكر
بالعالم.
وإذا كانت التصورات
التقليدية للحقيقة قد ربطت هذا المفهوم بنظرية التوافق والتطابق، فإن العصر الحديث
قد بلور نظرة مغايرة ترتبط بالبعد
البراجماتي الذي يتجاوز معنى التطابق والتوافق ويربط الحقيقة إما بإرادة القوة، او
إرادة المعرفة، أو بالسلطة السائدة في المجتمع، وبالتالي نزع معنى الإطلاقية
والقدسية على مفهوم الحقيقة.
الطرح الإشكالي
بالإنطلاق مما سبق يتبين أن مفهوم
الحقيقة مفهوم معقد ومركب يتقابل فيه
العقل الرأي، الصدق
والكذب الماهية و العرض، المطلق والنسبي، مما يضفي عليه طابعا إشكاليا سواء من حيث
الطريق إلى الحقيقة أو معاييرها أو قيمتها:
v فما الطريق إلى الحقيقة: الرأي أم العقل؟، وهل الحقيقة
ترتبط بما هو معطى أم بما يتم بناؤه عقليا؟
v ما معيار الحقيقة، هل هو عدم التناقض، أم مطابقة الفكرة
للواقع، أم غير ذلك؟
v كيف تتحدد الحقيقة كقيمة: هل باعتبارها غاية في ذاتها،
أم باعتبارها وسيلة لخدمة الحياة؟ وهل الحقيقي يتحدد بما هو أخلاقي، أم بما هو
عملي نفعي؟
المحور الأول: الرأي والحقيقة
يعبر الرأي عن طريقة في
التفكير، فهو عبارة عن معرفة عامة غير مبنية، و اقل درجة من المعرفة العلمية
والفلسفية، وذلك لكونه يمثل شكلا من أشكال الاعتقاد المطبوع بالظن، أما الحقيقة
فهي ما يكونه الإنسان من أحكام بخصوص الظواهر والواقع. فما الطريق إلى الحقيقة:
العقل أم الرأي؟ هل الحقيقة تعبير عما هو معطى في الواقع، أم أنها بناء يتجاوز ما
هو واقعي؟
-1موقف أفلاطون
بالانطلاق من نظرية المثل،
يقسم أفلاطون الواقع إلى قسمين: الواقع المحسوس الذي يمثل عالم الظن والحقائق غير
الثابتة، الزائفة والباطلة، وهو بذلك مجرد نسخة مزيفة و مشوهة عن الواقع الحقيقي:
واقع المثل هذا الأخير الذي يعتبره أفلاطون عالم الحقائق الخالدة، الثابتة
والمطلقة. وإذا كانت الحقيقة ترتبط بعالم المثل باعتباره عالم الأفكار فإن الوصول
إليها يتطلب انقلابا جذريا ضد العادات والتقاليد، وتخليا عن الأساليب المشتركة في
الحكم على الأمور حتى يتسنى للعقل أن يتحرر من قيود العالم الحسي ويصل إلى عالم
الأفكار، وبهذا المعنى فالحقيقة ليس شيئا معطى بل هي شيء نبحث عنه من خلال التعالي
على الواقع الحسي. فالبحث عن الحقيقة بمثابة مغامرة بالسير في طريق لم نتعود
عليها، هذا البحث الذي يقوم على أساس الجدل الصاعد، الذي يمكن العقل من الانتقال
من فكرة إلى أخرى إلى أن يصل إلى فكرة الأفكار، أي الخير الأسمى . فهو يسير من
الكثير إلى الواحد بغية اكتشاف مبدأ كل شيء، ثم مبدأ المبادئ، أي الحقيقة المطلقة.
2-موقف ديكارت
إذا كان
أفلاطون قد اعتبر أن الوصول إلى الحقيقة مشروط بإعمال العقل، فإن ديكارت بدوره يؤكد
هذا الموقف ، إلا أنه يربط البحث عن الحقيقة بإتباع منهج محدد، يقول ديكارت:’’
إنه من الأولى عدم البحث عن الحقيقة بصدد
أي شيء كان،بدل البحث عنها بدون منهج'' فما المنهج الذي يدعو إليه
ديكارت؟ إن هذا المنهج هو: الشك المنهجي،
هذا الأخير
الذي يمكن من تخليص العقل من التيه الذي ضل فيه، والرجوع به من المجالات الغريبة
عنه إلى ذاته ، حيث إن ديكارت يعتبر أننا تلقينا أفكارنا وكونا أحكامنا على
الأشياء خارج عقولنا، في استعجال أهوائنا وسلطة الذين اضطلعوا بمهمة تربيتنا
وتعليمنا. ولكن يأتي زمن يجب علينا فيه أن نعيد النظر في كل شيء. وإذا كان الشك هو
وسيلتنا في ذلك، فإنه يتعين على هدا المستوى إعادة بناء الأسس التي يقوم عليها
فكرنا وذلك بالعمل على تفكيكها، لأن أفكارنا ومعتقداتنا لا تتوفر على أية قيمة
خاصة بها، عدا تلك التي تمنحها لها سلطة التقاليد والتعليم السائد. لذا فإن تفكيكها
و إعادة النظر فيها بعمق من شأنه أن يعيد بناءها بالصورة التي تجعلنا لا نعتبرها
إلا من حيث قيمة الحقيقة التي تنطوي عليها. وتلك هي عملية الشك، أي "امتحان الحقيقة". فكل فكرة
يمكننا الشك فيها هي فكرة غامضة، ومن حيث أنها يمكن أن تخدعنا، فإنه يجب اعتبارها
خاطئة من الأساس. وبالمقابل فإن كل فكرة يمكن أن تصمد أمام الشك فهي فكرة واضحة
يمكن اعتبارها فكرة حقيقية. ويقوم منهج الشك الديكارتي على إتباع العقل لمجموعة من
القواعد تخلصه من الأحكام والآراء الخاطئة، وتمكنه من الوصل إلى الحقيقة، ومن أهم
هذه القواعد: البداهة والوضوح، التحليل، التركيب، والمراجعة والإحصاء.
-3موقف غاستون باشلار
إذا كان ديكارت قد أكد على
أهمية الشك كمنهج للوصول إلى الحقيقة، هذه الأخيرة التي تقوم على مبدأي
البساطة والوضوح العقليين ، وبالتالي تتخذ
الحقيقة معنى اليقين والإطلاقية ، فإن باشلار – في مقابل هذا التصور- يعتبر أن اليقين ومهما تكن درجته من الوضوح لا يمكن أن يصبح مصدرا ليقينات أخرى،ذلك أن طريق
العلم المعاصر إلى الحقيقة يعتمد على جملة من التجارب الدقيقة المعقدة التي تعتمد
على أدوات ووسائل مادية ونظرية معقدة ، ولا يمكن لحقيقة ما أن تصبح يقينا لمجرد
كونها صادرة عن يقين أول هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن باشلار ينتقد الاتجاهات
التي تعتبر أن المعرفة العلمية هي استمرار للمعرفة العامية، حيث إن هذه الأخيرة ترتبط بالحاجات والمنافع
المباشرة وتعتمد على التلقائية والعفوية والظن والاعتقاد، لذا فهي معرفة غير مبررة
علميا وهي دائما خاطئة، ومن هذا المنطلق فالعلاقة بين المعرفة العلمية والرأي هي
علاقة قطيعة ابستمولوجية حيث أن الحقائق العلمية حقائق مبنية بناءا عقليا ممنهجا
ومعتمدا على وسائل وأدوات علمية وهكذا فالرأي عائق أمام المعرفة العلمية ينبغي
القضاء عليه.
ويندرج موقف باشلار ضمن نقده
للتصورات الإختبارية التي تجعل من المعرفة العلمية مجرد امتداد للمعرفة العادية،
والتي يعبر عنها ميرسون الذي لا يرى اختلافا بين المعرفة العادية وبين
المعرفة العلمية بقوله:" إن ما يطلق عليه
بادئ الرأي قد وجد بطريقة لاشعورية. ولكنه، فضلا عن ذلك، يشابه أدق
المشابهة الطريقة التي تُكوَّن حسبها النظريات العلمية. فها هنا أيضا تلعب العلّية
ومبدأ الهوية دورا أساسيا. ومن هذه الوجهة يشكل بادئ الرأي جزءا مكملا للعلم، أو
على العكس، فإن العلم ليس إلا امتدادا لبادئ الرأي".
المحور الثاني: معايير الحقيقة
إن الغموض الذي يلف مفهوم الحقيقة يجعل من
التمييز بين ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي مطلبا أساسيا، فما معيار الحقيقة؟ هل هو
معيار عقلي، أم تجريبي، أم غير ذلك؟
1-الاتجاه العقلاني:
يعتبر أنصار هذا الاتجاه أن
مصدر الحقيقة هو العقل لما يحتوي عليه من مبادئ و قوانين فطرية، ومن أبرز ممثلي
هذا الاتجاه نجد الفيلسوف الفرنسي ديكارت ، الذي يعتبر أن العقل يؤسس حقائقه على
مبدأين أساسيين: الحدس باعتباره رؤية وإدراك مباشر للموضوع من قبل العقل
دون حاجة إلى الاستدلال أو البرهان، ويكون معيار الحقيقة بهذا المعنى هو البداهة والوضوح.العقليان والمبدأ الثاني وهو الاستنباط الذي يقوم على أساس الاستدلال والبرهان العقليين
بالانطلاق من الحقائق الحدسية، ويكون معيار الحقائق المتوصل إليها بهذه الطريقة هو
مطابقة الفكرة لمبادئ الاستنباط العقلي، أي التماسك المنطقي. وهكذا فإن معيار
الحقيقة حسب ديكارت هو البداهة والوضوح من جهة،ومطابقتها لمبادئ الاستنباط العقلي
من جهة أخرى.
2-الاتجاه التجريبي
يعتبر
أنصار هذا الاتجاه أن العقل ليس فيه أية معارف قبلية إلا ما يأتيه عن طريق الحواس
وعلى هذا الأساس فإن الفكرة الحقيقية هي الفكرة التي يمكن إرجاعها إلى أصل حسي، أي
أن مصدر الحقيقة هو الحواس لا العقل وهكذا فمعيار الحقيقة هو مطابقة الفكرة للواقع
التجريبي، ومن بين ممثلي هذا الاتجاه: جون لوك و دافيد هيوم، (1711-1776)
هذا الأخير الذي يقسم الحقائق إلى حقائق عقلية وأخرى تجريبية، فإذا كان معيار
الصنف الأول هو البداهة التماسك المنطقي أي مطابقة الفكر لذاته وهو ما يصدق على
الحقائق الرياضية فإن الصنف الثاني يعتمد في صدقه على مطابقة الفكر للواقع
التجريبي ذلك أن الفكر في بناء الحقائق التجريبية يعتمد التجربة لا المبادئ العقلية، ومن هنا فالبداهة والتماسك
المنطقي وحدهما غير كافيين للحكم على صدق هذه القضايا بل لابد من مطابقتها للواقع
التجريبي.
3-موقف مارتن هيدغر
ينتقد هيدغر النظرية
التقليدية حول الحقيقة كتطابق حيث إنها
تضع الحقيقة في الحكم، وتجعل معيارها وماهيتها في التطابق، سواء باعتبارها مطابقة
الفكر للواقع أو مطابقة الفكر لذاته. فالحقيقة بهذا المعنى تأخذ بعدا معرفيا إنها
دلالة على صواب التمثل وتوافقه مع موضوعه. وفي مقابل ذلك يقدم هيدغر تصورا
انطولوجيا حول الحقيقة كانكشاف، حيث يعتبر أن معيار الحقيقة ليس التطابق، بل ترك
الأشياء توجد وتعبر عن ذاتها وتكشف عن نفسها، ومن ثمة فإن جوهر الحقيقة هو الحرية
أي ترك الأشياء تكون ما تكونه ، تركها تكشف عن نفسها دون إكراه أو إلزام.
يمكن دعم ومناقشة المواقف السابقة
باستحضار موقف كارل بوبر في مجال الحقيقة العلمية: معيار الحقيقة هو قابليتها
للدحض والتكذيب أي أن الحقيقة العلمية هي حقيقة نسبية وليست مطلقة.
المحور الثالث: قيمة الحقيقة
إن
الحديث عن الحقيقة سواء من حيث الطريق المؤدي إليها أو معاييرها يجعلنا نطرح سؤالا
أكثر عمقا حول قيمتها. فهل الحقيقة غاية في ذاتها أم أنها مجرد وسيلة؟ هل الحقيقة
قيمة أخلاقية مجردة أم قيمة عملية نفعية فقط؟
لمعالجة هذا الإشكال نستحضر
مجموعة من المواقف الفلسفية التي تختلف تصوراتها للحقيقة باعتبارها قيمة أخلاقية
مطلقة، أو قيمة عملية نفعية نسبية.
1-الحقيقة
غاية في ذاتها:
إن اعتبار الحقيقة غاية في
ذاتها يعني أن قولها وطلبها لا يرتبط بما هو ذاتي نفعي،بل بما هو أخلاقي، نظري
مجرد وفي هذا الإطار نجد من داخل الفلسفة اليونانية كلا من سقراط
وتلميذه أفلاطون يعتبران أن الفلسفة بحث عن الحقيقة لذاتها لا لشيء آخر غير
ذلك بل إن سقراط يقر بضرورة قول الحقيقة حتى عن الذات . " اعرف نفسك بنفسك" بمعنى أن غاية الفلسفة هي كشف الإنسان لحقيقة
ذاته وقول الحقيقة عن ذاته مهما كلفه الأمر، ومهما تكن عواقب قولها ولو بفقدان
الحياة كما حدث مع سقراط نفسه.
أما
في الفلسفة الحديثة فنجد الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانط" الذي يعتبر "أن قول الحقيقة واجب يتعين
اعتباره بمثابة أساس وقاعدة لكل الواجبات التي يتعين تأسيسها وإقامتها على عقد
قانوني، ولأن القانون، إذا ما تسامحنا فيه ولو بأقل استثناء ممكن، فإنه سيصبح
قانونا متذبذبا ومبتذلا". ومعنى ذلك أن قول الحقيقة واجب أخلاقي مطلق لا مجال
فيه لمراعاة الميول أو المصالح والظروف المحيطة، أي أن قول الحقيقة غير مشروط بما
يلزم عنه وليس نسبيا، بل هو قيمة عليا وواجب مطلق. وفي مقابل ذلك فإن الكذب يعتبر
جريمة يتحمل مرتكبه نتائجه وتبعاته، ذلك أن الكذب يسيء دائما إلى الغير، وحتى إذا
كان لا يسيء إلى امرئ آخر بعينه، فإنه يسيء إلى الإنسانية عموما ويجعل الخطاب
كمصدر للحقيقة بدون أهمية.
إن الحقيقة بالمعنى السابق تبقى قيمة عليا مطلقة، كما أن قولها يتطلب نوعا
من الشجاعة، والقدرة،لما قد تثيره معرفة الحقيقة من نتائج وخيمة على القائل، وفي
ذلك يقول مشيل فوكو "إن قول الحقيقة للمعشوق أو المحبوب قد تؤدي إلى العصف
بالعلاقة، وقول الحقيقة للحاكم قد تؤدي إلى السجن أو الإعدام، وقول الحقيقة للطبيب
قد تؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها.ينبغي إذن لقول الحقيقة عن الذات، أن يتوفر نوع
من الشجاعة قد تصل إلى حدود المغامرة، مغامرة تسبب إزعاج الآخر، إقلاقه،مغامرة قد
تؤدي بالحياة نهائيا.“
2-الحقيقة كقيمة نفعية عملية
إذا
كانت المواقف الفلسفية التقليدية تنظر إلى الحقيقة كقيمة عليا مطلقة، فإن هذا
المفهوم ما لبث أن اتخذ طابعا عمليا براجماتيا في سياق المواقف الفلسفية المعاصرة
التي انتزعت عنه كل قدسية وجعلت من الحقيقة مجرد وسيلة ترتبط [بإرادة القوة أو
تحقيق المنفعة:
أ-موقف فريدريك
نيتشه:
يحتل
سؤال الحقيقة عند نيتشه موقع الصدارة ضمن العديد من مؤلفاته، وإذا كانت التصورات
القديمة تنظر إلى الحقيقة بكونها تأخذ وجودها من حيث هي قيمة في ذاتها دونما أية
مساعفة بشرية، فإن نيتشه يعتبر أن الحقيقة هي مجرد إبداع للعقل الحر، فكل حقيقة
لابد أنها نشأت من خلال تأمل الإنسان عميقا في ظاهرات العالم، ومن ثمة تتكون
أفكاره حول الأشياء ليغدو الإنسان ذاته مبدعا للحقيقة. والعقل الحر هو من يبقى في
صورة وعيه إبان إبداع الحقيقة. ولم يعد ينظر إلى الحقيقة من حيث كونه خاضع لها، بل
من حيث أنها إحدى إبداعاته، والحال أنه خلف إرادة الحقيقة يقبع بحسب نيتشه منظور
أخلاقي، على اعتبار أن الإنسان وهو ينشد الحقيقة ، لا يرغب في الحقيقة ذاتها، بقدر
ما يرغب في الفوائد الكامنة فيها، أو بتعبير نيتشه "فهو يطمح في
النتائج الحميدة للحقيقة وبالضبط النتائج
التي من شأنها المحافظة على الحياة. أما تجاه المعرفة الخاصة التي لا يترتب عنها
أي شيء فهو غير مكترث، بينما يتخذ موقفا اعتياديا تجاه الحقائق التي تتسبب له في
بعض الأضرار" فليست الحقيقة إذن شيئا في ذاته، إنما هي استعارات ومجازات
تحكمها علاقات الصراع، و إرادة القوة، لذلك فما تاريخ الحقيقة سوى تاريخ أخطاء
وأوهام مفيدة في خدمة تيار الحياة المتدفق.
وبهذا ينزع نيتشه عن الحقيقة إطلاقيتها وقدسيتها
ليظهرها كقيم تم إقرارها من طرف إرادة مسيطرة، فهي ليست شيئا في ذاته بل هي القيمة
التي تنسبها إليها إرادة قوة ما.
ب-موقف وليم جيمس:
إذا
كان نيتشه قد اعتبر الحقيقة مجرد قيمة يضفيها الإنسان على الأشياء، وبالتالي تنسيب
هذا المفهوم وإعطاؤه بعدا منظوريا وذاتيا،
فإن وليم جيمس يذهب بهذا الموقف إلى مدى أبعد حيث يعتبر أن الفكرة الحقيقية
هي الفكرة الناجحة والنافعة، التي تساعدنا على أن نعالج الواقع أو متعلقاته،
فالأفكار الصحيحة هي تلك نستطيع إثبات مشروعيتها، وإقامة الدليل عليها، بينما
الأفكار الخاطئة هي تلك التي لا نستطيع تأكيد فعاليتها ومشروعيتها، ومعنى ذلك أن
الحقيقة ليست غاية في ذاتها بل هي مجرد صفة نسقطها على الأفكار النافعة، والمفيدة.
يقول وليم جيمس:"إن الحقيقي... ليس سوى النافع الموافق المطلوب في سبيل
تفكيرنا، كما أن الصواب ليس سوى الموافق النافع المطلوب في سبيل مسلكنا".
خلاصات:
·
إن مفهوم الحقيقة مفهوم معقد ومركب، يصعب تحديده بدقة.
·
إن الحقيقة هي ما يتم الوصول إليه باستعمال منهج عقلي صارم لا بالرأي الذي
لا يؤسس الحقيقة إلا بقدر ما يهدمها.
·
إن معايير الحقيقة تتعدد بتعدد رؤى ومنطلقات وتصورات الفلاسفة لها.
·
إن قيمة الحقيقة لم تعد في كونها فقط قيمة في ذاتها، بل قيمتها في نفعيتها
وخدمتها للسلطة، وإرادة القوة، التي تقبع وراءها.
